على حائط يقبع في ساحة رياض الصلح في بيروت، رُفع منذ أيام رسم يعود للطبيبة والكاتبة المصرية نوال السعداوي التي تُوفيت إثر تعرّضها لأزمة صحّية. حدث ذلك ضمن لقاء نظّمه عدد من الناشطات النسويات بمناسبة مرور شهر على وفاتها.
قبلها، كان خبر وفاة الكاتبة المصرية قد أثار جدلاً واسعاً على نطاق البلدان العربية في حينه، وتراوحت ردود الفعل بين شامت ومتحسّر ومنتقد ومادح... أمّا الناشطات اللبنانيات، فحسمن الجدل بعبارة كُتبت إلى جانب الصورة تقول: "تحيّة حبّ من بيروت إلى نوال السعداوي".
الحدث الصغير تناقله عدد قليل من وسائل الإعلام من دون التعليق عليه أو البحث بأبعاد له.
في بيروت، كما غيرها من مدن كثيرة، تشتهر ظاهرة الرسم على الحائط أو ما يُعرف بالـ"غرافيتي"، التي تُقدّم من خلالها رسائل "ثورية" عادة ما تعود إلى المكان الذي تُكتب فيه. حكايات حرب وسلم، رسوم من تراث لبناني، صور لفنّانين وشعراء ومناضلين أمثال فيروز، وديع الصافي وصباح ومحمود درويش. تضفي جميعها على المدينة جمالية من نوع خاصّ بات يُفتقد، وتثري أجواءها بغنى ثقافي. لكنّ الأمر ليس نفسه عندما يتعلّق الموضوع بشخصية "جدلية" كالسعداوي، فما الغريب إذن أن تُرفع صورة هذه المرأة على حيطان ساحة الثورة، المكان الذي عبّر فيه أغلب اللبنانيين عن آرائهم، والذي من المفترض أن يتوافق الغرافيتي مع أفكارهم ومبادئهم، فهل المواقف التي اشتهرت بها السعداوي تعبّر عنهم فعلاً؟ هل هي حقاً جديرة بأن تُنصب على جدران ساحات الثورة؟ وإلى أيّ مدى تشبه ثورتها ثورة تشرين؟
أفرزت السعداوي صورة نمطية عن تحرير المرأة من ذكورية المجتمع والرجل
عُرفت السعداوي بكفاحها الشهير ضدّ عادات المجتمع المضطهِدة للمرأة، الذي تنامى نتيجة لتجربتها الشخصية التي امتدّت ابتداءً من نشأتها في كنف عائلة ريفية محافظة، إلى عملية ختانها وهي ابنة سبع سنوات، وسلطة أبيها المتحكّمة بقراراتها الشخصية، وصولاً إلى معاناتها في علاقاتها العاطفية التي أدّت إلى طلاقها في المرّات الثلاث التي تزوّجت فيها...
قد تكون الطبيبة النفسية أكّدت مراراً أنّ تمرّدها ناجم عن الظلم الذي تعرّضت له في حياتها، لكن يبدو أنّها لم تجد مفرّاً منه سوى عن طريق صبّ جام نقمتها وتفجير كامل غضبها على من حولها لدرجة أنّ ممارساتها وترجمتها لأفكارها وُصفت بالتطرّف والحدّية، فصدّرت صورة نمطية عن تحرير المرأة من ذكورية المجتمع والرجل، وبدأت بالتخبّط يميناً وشمالاً.
إضافة إلى ازدرائها للأديان وتجرّئها على الذات الإلهية، تتناقض رؤى السعداوي كما تصريحاتها في تناولها لمعظم القضايا التي ناضلت لأجلها، ظهر أبرزها في التالي، فهي:
- على الرغم من زيجاتها المتعدّدة، تعتبر أنّ الزواج تسويق للمرأة بحيث يتمّ بيعها وشراؤها من خلاله.
- رغم دعواتها للمساواة التامّة بين الجنسين في الحياة العامّة والخاصّة، دعت إلى وجود حزب للنساء حصراً على غرار حزب العمّال والفلّاحين، يهدف إلى المطالبة بحقوق المرأة.
- رغم دعوتها إلى التحرّر من ظلم الحاكم، رأت أنّ السبيل لفصل الدين عن الدولة هو أن يصطفّ الشعب وراء الحاكم وقراراته مهما كانت مخالفة لما اعتاده هذا الشعب .
- رغم أنّها تدعو إلى احترام وجود الآخر وتدعو إلى حرّية الرأي، أنكرت على الجماعات الإسلامية حقها في المشاركة في الحكومات القائمة معتبرة أنّهم سفّاحون مجرمون.
- أنكرت أنّ هناك حضارة إسلامية بل وصفتها بأنّها رأسمالية أبوية طبقية متديّنة.
- رغم وجود أدلّة تاريخية تثبت أنّه كان حكراً على الملكات في العصور الماضية، أصرّت على أنّ ارتداء الحجاب والنقاب كان مفروضاً على الجواري والعبيد.
المناضلة أحدثت صخباً كبيراً في حياتها، ضجّت بها وسائل الإعلام من كلّ حدب وصوب، استقطبت عدداً كبيراً من هواة التغيير والتحرّر. لكنّها دفعت ثمن ثورتها، فخسرت الكثير بسبب تقلّب آرائها. هي لم تَصُغ "ورقة إصلاح" جيّدة في مشروعها، ولم تتخلص من انتماءاتها المتطرّفة المتولدة من ذيول تجاربها الشخصية، فماذا حققت؟
جلّ ما حققته نوال السعداوي في مسيرتها النضالية أنّها انتصرت في معركتها الأساسية ضدّ ختان الإناث حيث جُرّم في المحاكم المصرية، إضافة إلى عدد من الانتصارات الشكلية الصغيرة، التي لم تحقق فارقاً.
خسارة، أوهام، إحباط، وفشل في النتيجة... بين ثورة نوال و17 تشرين تشابه إلى حد بعيد، قد يكون هذا ما قصدته بعض الناشطات من خلال رفع صورتها في ذلك المكان، حتى لو من دون أن يدرين ذلك!


