الكابيتال كونترول اقتراح تشريعي...بتشوّهات دستورية وعاهات قانونية.

وإن كانت التسمية تشير إلى أنه قانون استثنائي ومؤقت، ولكن كل قاعدة قانونية هي في أساسها تنظيم سلوكي تحت سقف الدستور؛ العقد الاجتماعي الأسمى بين المواطنين.

بادئ ذي بدء، يتناقض هذا الاقتراح مع مقدّمة الدستور اللبناني التي تُعتبر تجسيداً لمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كما وردت في المواثيق والاتفاقيات الدولية، إذ تؤكد الفقرة -ب- «حرص لبنان» على التمسك بدوره التاريخي كمؤسس في منظمة الأمم المتحدة. 

وتشمل ديباجة الدستور التقيّد بكافة الحقوق الإنسانية الجماعية منها والفردية، إذ تتبنّى الفقرة -ج- المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين؛ دون تمايز أو تفاضل انسجاماً مع مبدأ العدالة الاجتماعية، كما تنص الفقرة -ز-، وتشدّد الفقرة -و- على إرساء قواعد النظام الاقتصادي الحرّ وإعلاء حق الملكية الخاصة الفردية فوق كل اعتبار.

تناقضات واختلاسات

يحمل الاقتراح المعجّل المكرّر تناقضات بين أسبابه الموجبة التي تؤكد على احترام الدستور، وبين بنوده التي تحمي القطاع المصرفي المتّهم محلياً ودولياً، بتبديد واختلاس المدّخرات الوطنية والتواطؤ مع الطبقة السياسية الفاسدة والتورّط بعمليات تبييض أموال والإثراء غير المشروع، وذلك من خلال:

  1. اعتماد حظر التحاويل المصرفية والسحوبات النقدية؛ قاعدة عامة (عنوان المادة الأولى) عبر إلغاء كل النصوص التي تتعارض معه ليتعطّل بنتيجتها النظام العام الذي على أساسه استحصلت المصارف على أموال المودعين، اللبنانيين والأجانب (المادة السابعة).
  2. مخالفة مبدأ عدم رجعية القوانين بتطبيق بنوده على الدعاوى المقامة قبل صدوره (المادة السابعة).
  3. الاستيلاء على صلاحيات السلطة القضائية، العدلية والإدارية، ورفع قرارات الأجهزة المصرفية إلى مرتبة الأحكام المبرمة غير القابلة للطعن بها، حتى لتجاوز حدّ السلطة (البندان ثانياً وثالثاً من المادة الخامسة).
  4. تكريس الاستنسابية وعدم المساواة بدل الحدّ منها والتمييز بين أصحاب الودائع وتصنيفهم إلى فئات؛ قبل وبعد ٢٠١٦ (البند ٤ من المادة الأولى)، قبل وبعد ٢٠١٩ (البند ٢ من المادة الثالثة).

هل سيتجرأ مجلس النواب على إقرار قانون غير دستوري يحمل في طيّاته خطةً خبيثة ستنحر النظام الاقتصادي اللبناني

مخالفات واستنسابية

عدا المخالفات الدستورية وتكريس الاستنسابية، يأتي هذا الاقتراح:

  • متناقضاً مع الطبيعة الاستثنائية والمؤقتة له، بحيث يترك للحكومة، بناء على اقتراح وزير المال وموافقة حاكم مصرف لبنان، الحرية لتمديد العمل به بعد انتهاء مهلة السنة (المادة العاشرة).
  • معزولاً عن خطة إنقاذية شاملة ومتكاملة ليظهر كأنه غاية بحدّ ذاته فيما هو أصلاً وسيلة تترافق مع سلسلة إجراءات متتابعة ومتلازمة مع بعضها البعض. 
  • مفصولاً عن سياق المجرى الزمني للأحداث، إذ تحوم الشبهات حول الأهداف الكامنة لإقراره فيما المفاوضات مع صندوق النقد الدولي متوقفة تماماً.
  • مبهماً في خلفياته التشريعية حيث حملت بنوده أبعد من إجراءات كابيتال كونترول، وفوّضت مصرف لبنان بإنشاء منصّة سعر صرف الودائع، مع العلم أن "المنصّة" عبارة لا وجود لها أصلاً في قانون النقد والتسليف، وذلك حمايةً للمصارف عن طريق تأمين الغطاء القانوني لها لتحويل أموال المودعين من العملة الأجنبية إلى الليرة اللبنانية وتحميلهم وحدهم كل الخسائر. 

ويبقى السؤال البديهي:

هل سيتجرّأ مجلس النواب على إقرار قانون غير دستوري يحمل في طيّاته خطةً خبيثة ستصيب الحرية والعدالة في مقتل وتنحر النظام الاقتصادي اللبناني في عمقه لتودي به إلى المجهول؟


* رئيسة منظّمة مونيتاريا 

دكتوراه دولة في القانون المالي والمصرفي