حتى فترة قريبة، شكّل عجزا الموازنة وميزان المدفوعات عنصرين شبه وحيدَين لشغل بال أهل السلطة... كان ذلك في الحقيقة قبل أن يتّخذ سعر الصرف أكثر من دلالة، بالمعنى المادي طبعاً. ينحصر جوهر دور البنك المركزي بمبدأ استقلاليته، وذلك لتأمين ضمانة للقطاع المصرفي واستقرار للنقد الوطني لتحقيق نمو اقتصادي عبر 3 مكوّنات:
- الأصول التي يملكها.
- احتياطي الذهب.
- الموجودات وفقاً لسعر الصرف.
في ما خصّ الأصول، يُعتبر مصرف لبنان خلّاقاً في ابتداع المصطلحات المبهمة، فهو سبق واعتمد عبارة الـ "other assets" وهي "الأصول الأخرى" كما ورد في بيانات مصرف لبنان للعام 2018 المدقّقة، والتي تمّ التوقيع عليها من قِبل "E&Y" و"Deloitte". وكان الملفت في الـ "other assets"، كيف تضاعفت قيمتها بنحو 4 مرات منذ العام 2018 من 10 مليارات دولار إلى 38.6 مليار دولار لغاية حزيران 2020. كلّ ذلك من دون معرفة ماهيّة "الأصول الأخرى" وما المقصود بها وماذا تضم وما إذا كانت مرتبطة بميزانيات الـ "MEA" و"انترا" و"كازينو لبنان" التي يملكها "المركزي"، أم أنها تحتسب سندات الخزينة والـ eurobonds وغيرها...
ذوّبت رهانات "المركزي" ولعبه بالأرباح المستقبلية، ذهب لبنان ومعه روحية القوانين وعلى رأسها "النقد والتسليف"
بعد معاهدة الاتحاد الأوروبي المعروفة بمعاهدة "ماستريخت" (1991)، غيّرت البنوك المركزية الأوروبية قوانينها، وحدّدت مهمتها الأقدس وهي صون استقرار الأسعار ولجم التضخّم المرتبطَين مباشرة بحجم الكتلة النقدية المتداولة في السوق... إلّا أن حاكم "المركزي" المتمسّك برفض الاعتراف بالخسائر، معتبراً أن البنوك المركزية قادرة على تدوير خسائرها، فمستمر بعمليات خلق النقد وطباعة الليرات منذ التشرينَين الماضيَين بلا انقطاع. يُقدّر الخبراء حجم الكتلة النقدية بأكثر من 35 تريليون ليرة. هكذا، يعظّم ما يسري بين أروقة مصرف لبنان من عمليات خلق للنقد وبتكتّم تام، المسار الانحداري للّيرة ومعها احتياطي الذهب. بطريقة أبسط، الذهب (غير القابل للإحصاء) الذي يملكه مصرف لبنان لا يغطّي إلّا جزءاً ضئيلاً من حجم الليرة المتداولة، ما يعني أيضاً أنّ رهانات "المركزي" واللعب بالأرباح المستقبلية، كلها، ذوّبت ذهب لبنان ومعه روحية كل القوانين وعلى رأسها "النقد والتسليف". وبدلاً من تأدية واجبه في تنظيم معدّلات الفائدة وإنعاش الاقتصاد عبر تشجيع الاستثمار، راحت حاكميّة مصرف لبنان تراكم الخسائر عبر السنوات. منعت انهيار مصارف عدّة كانت تصفيتها ضرورة لسلامة القطاع وديمومته، فهندست للمتعثّرين أبواباً "وهميّة" بشكل مخارج الطوارئ...
أمّا الموجودات التي يجب أن تقدّر دائماً وفقاً لسعر الصرف الرسمي (1515)، بحسب المادة 114 من قانون النقد والتسليف، فتواجه خطر فقدان قيمتها بالكامل بسبب تقلّبات سعر الصرف في السوق الحقيقية، وهو ما يؤدي إلى الإبقاء على اعتماد تسعيرة الـ 1515، تسعيرة رسميّة قانونية. هنا يُطرح تساؤل حول المقصود بالموجودات وعمّا إذا كانت سندات اليوروبوندز على أساس الـ 1515 تُحتسب من ضمنها!...
في جميع الأحوال، من شأن أي تغيير فجائي في سعر الصرف الرسمي أن يفضح حقيقة موجودات البنك المركزي. لذا كان المخرج بحسب ما ارتأت "الحاكميّة" اعتماد بدعة "المنصّات الإلكترونية" التي حدّدت سعر صرف ثانٍ غير رسمي للصرف على أساس 3900 ليرة، وثالث هو سعر منصّة صيرفة، ورابع هو ذاك الذي يجري التسويق له في اقتراح قانون الـ "كابيتال كونترول" المزمع تمريره رغم أنوف مصلحة اللبنانيين عموماً والمودعين خصوصاً.
هدف المنصّة الأولى كان التستّر على الخسائر بالموجودات وعدم فضح المستور ما يطوّل أجل تدمير قيمة الموجودات (المرتبطة مباشرة بسعر الصرف). كما هدفت أيضاً إلى امتصاص نقمة الناس باستنزاف دولاراتهم المصرفية.
في جميع الأحوال، تُعتبر المنصّات غير قانونية لسبب بسيط هو عدم مراعاتها موادّ قانون النقد والتسليف. وحتى اللحظة، يُعاند مصرف لبنان عبر منصّاته الإلكترونية تغيير سعر الصرف الرسمي - القانوني، حتى لا يخسر آخر ما تبقّى من موجوداته بسبب تقلّبات سعر الصرف. إلّا أنّ أسعار هذه المنصّات التي يبرع في ابتداعها، لا تُغني عن تسوية الحسابات بينه وبين الخزينة اللبنانية، والتي لا يمكن أن تتمّ إلا على أساس سعر صرف انتقالي مُقَونَن.كما أن سعر المنصّة لا يُطابق كل الخسائر الواقعة لأنه سعر هندسي وهمي، فهو ليس السعر الرسمي القانوني، وليس سعر السوق الفعلي، فهل يسعى "المركزي" إلى جعله سعراً تجميلياً لواقع نقدي مقيت، ستزداد تشوّهاته بعد رفع الدعم عن رغيف المواطن؟



