يقتصر دور المصارف راهناً على تسليم المودعين والموظفين مبالغ إعاشاتهم الأسبوعية وابتزاز أصحاب القروض المُدولرة. بمعنى آخر، تقترب هذه المؤسسات من الانتهاء كما بدأت في القرن الماضي... كـ "مراكز مراباة"، فهي تنازلت عن دورها في دعم الحلقة الإنتاجية - الاقتصادية، غالت في نسف معايير "بازل"، وتفرّغت للمقامرة بودائع الناس. لكن، هذه المرّة، لا ترتبط وقاحة هذا اللوبي بأسلوب التذاكي المعتمد في معالجة قضية الودائع المستنزفة دفترياً والمبخّرة نقدياً. كما أنها لا تتعلّق بـ "الطرابيش" المركّبة لإخفاء مدى التورّط في لعبة المضاربات، ولا حتى بـ "تزوير" الميزانيات و"غسلها". بل إنّ الإستلاب يتمّ حاليّاً من بوابة تسويق احتمالية أن يطال تحرير سعر الصرف الديون المدولرة...

منذ منتصف التسعينات، والمصارف تُفرط في وهب القروض بالدولار الأميركي. بُنيت السياسة التسليفية للمصارف على سعر صرف مستقر وثابت عند 1515. اعتمد مصرف لبنان بموافقة الحكومات المتعاقبة مبدأ تشجيع التجار والافراد والقطاعات على القبول بإبرام القروض بالعملة الأجنبية. هكذا، كان حجم التسليفات الذي قرره مصرف لبنان مبنياً منذ البداية على الدخل الفردي استناداً إلى سعر الصرف الثابت. 

تروّج المصارف منذ فترة ما مفاده أن تحرير سعر الصرف على الديون بالدولار بات وشيك. وعليه، يرفض بعضها استيفاء الأقساط الشهرية بالليرة اللبنانية. مع العلم أن مصرف لبنان كان قد أصدر تعميماً (في آب الماضي) يلزم فيه المصارف عامة قبول تسديد الأقساط أو الدفعات المستحقة بالعملات الأجنبية الناتجة عن قروض التجزئة، بالليرة اللبنانية، على أساس سعر الصرف الرسمي.  كما يرفض بعضها الآخر تسديد كامل قيمة الدين قبل استحقاقه بذريعة أن عقد القرض بين المصرف والزبون بالدولار.  

المصارف تبتزّ المقترضين

تتمثّل "الزعرنة" الجديدة في الترنّح وصولاً إلى تحقيق الابتزاز المنشود. وعليه، تتمّ عمليّات التخويف من قِبل المصارف بتنفيذ بنود العقود الموقعة بينها وبين المقترضين:

  • أولاً، عبر التهديد بتنفيذ حجوزات على الرهن (إن كان سكناً أم سيارة).
  • وثانياً، بالحجز على الراتب إن كان المقترض متقاعساً عن الدفع وكلّ ذلك رغم سريان مفاعيل قانون تعليق المهل الصادر عن مجلس النواب. وفي كلا الحالتين،  تسترسل بمراكمة فوائد التأخير. لم تكتفِ بالإطاحة بمدّخرات اللبنانيين، مقيمين ومنتشرين. ها هي تحاول ممارسة ضغوط تعسّفيّة لدى استيفائها القروض. تُطلق على هذه المخالفات تسميات وهمية، كالمصاريف أو الفوائد أو العمولات أو المعدلات أو المؤشرات. كلّ ذلك، والسلطة القضائية الموكلة بمهمة إحقاق التوازن العادل بين الحقوق وضمان مصلحة الفئات الأضعف، غير معنية بما يجري من حولها.

وفي خضمّ المزايدات والاجتهادات ومحاولات إدخال بعض المواد القانونية في بازارات التأويل، وفي ظلّ تزايد الإشكاليات المتعلّقة بتحديد سعر صرف القروض بالدولار الاميركي، وعمّا إذا كان سيُحدّد (في حال تحرير سعر الصرف الرسمي)، لا بدّ من العودة إلى قانون حماية المستهلك حيث حرص المشرّع على أن تُعطى الديون المحدّدة بأقساط عناية خاصة. 

تنطبق أحكام القانون على العقود المبرمة مع المصارف والمؤسسات المالية، من بوابة حماية أصحاب القروض. فهؤلاء هم الحلقة الأضعف في بنود المصارف التعسفية. في عقودها، تنتزع المصارف الحقّ بتعديل شروط العقد وقيمته بما يتناسب ومصالحها. تستغلّ حاجة المدين المادية وعوزه، حتى يرضخ ويقبل بشروط تعاقدية مجحفة فيتنازل عن حقوقه المنصوص عليها في القوانين والأنظمة. تُخلّ بالتوازن في ما بين حقوق وموجبات المستهلك، أي المدين لصالح منافعها... لكل تلك الأسباب، وكما لغيرها، تعتبر البنود التعسّفية في العقود التعاقدية بين المصارف والمقترضين باطلة بطلاناً مطلقاً وفقاً للمادة 26 من القانون. 

لذا، بات من الضروري إعادة دراسة هذه العقود على ضوء الواقع المصرفي الحالي، للتحقّق من مدى استيفائها للشروط القانونية، بعد أن اتضح عدم أهلية المصارف اللبنانية للثقة الممنوحة لها. وبعدما أثبتته من لجوء لأساليب "مصرفية مخادعة" تجعل العميل والمستهلك العادي غير قادرَين على اكتشافها أو التنبّه لها، فيما نتائجها الاقتصادية عليه كارثية.

حجز الراتب بالقانون لا يجوز

 يخضع الحجز على الراتب لقانون أصول المحاكمات المدنية لناحية السقف الأعلى من الراتب أو الأجر أو المعاش التعاقدي القابل للحجز ومهما كانت قيمة القرض أو الدين. بمعنى أبسط، إنّ الحجز على كلّ قيمة الراتب غير ممكن قانوناً، لعدم إمكانية أن يتخطّى سقفاً محدّداً.  

غريب أمر "السلطة المصرفية" تعجز عن سدّ شراهتها ومن المستحيل أن "تشبع" أو تتّعظ

وهنا لا بدّ من التذكير بالتعميم الصادر عن لجنة الرقابة على المصارف (رقم 280 تاريخ 2/1/2015) "نظام منح قروض التجزئة وتصنيفها وتكوين المؤونات والاحتياطات المتعلّقة بها. وفيه تحدّد اللجنة الحدّ الأقصى للتسديدات الشهريّة لقروض التجزئة نسبةً إلى الدخل "Debt Servicing To Income" بحيث:

  •  يجب أن لا يتجاوز مجموع التسديدات الشهريّة للقروض والتسليفات كافة نسبة 35% من "دخل العائلة" (والمقصود بها الزوج والزوجة)
  • تُحتسب نسبة الـ Debt Servicing To Income وفقاً لقيمة التسديدات الشهريّة/ دخل العائلة. 

أما قيمة التسديدات الشهريّة بحسب التعميم فهي مجموع المستحقات الشهرية المتوجّبة على "العائلة" من جرّاء قروض التجزئة والتسليفات كافة في جميع المصارف والمؤسسات المالية، بما فيها رأس المال والفوائد والعمولات الشهرية المرتبطة بالقروض. 

"قروض التجزئة" (Retail Loans) :هي تلك الاستهلاكية كافة بما فيها قروض السيّارات وقروض الطلاب وقروض التعليم وخطوط الائتمان المتجددة (Revolving Credits) بما فيها بطاقات الائتمان والقروض الممنوحة لأهداف شخصية بحتة وغير مرتبطة بأهداف مهنية أو تجارية، بالإضافة إلى القروض السكنيّة.

غريب هو أمر "السلطة المصرفية". تعجز عن سدّ شراهتها. من المستحيل أن "تشبع" أو تتّعظ. تناست كيف حوّلت، نتيجة سياسة اجتذاب الأموال بفوائد عالية وخيالية خلال السنوات الماضية، لعبة مؤشرات الفوائد إلى السوق المحلية. فاستُعيض عن المؤشرات الدولية، وتُرك تحديد نسب هذه الفوائد إلى جمعية المصارف عبر مؤشر "Beirut Reference Rate". هكذا أصبحت تكلفة تمويل القروض عالية قياساً إلى مؤشرات الأسواق العالمية. ذلك أنه كلما ارتفعت تكلفة توفير السيولة على البنك، كلما ارتفعت تكلفة الاقتراض على المستهلك.الحصول على السيولة في الفترات السابقة كان باهظاً بعد فقدان السيولة النقدية، ما أخضع المقترض في الأسواق المحلية إلى أسعار فوائد عالية ومتغيّرة... لكنّ التململ من خسائر المقامرة لم يعد يُجدي نفعاً، فاستفيقوا!