"النكاية" كالـ"سكيزوفرينيا" (الفصام). الإثنتان من الأمراض النفسية الخطرة ذات التصرفات الشاذة والسيّئة النيّة. والإثنتان من الظواهر المرتبطة بالماضي السحيق والتي من الصعب فهمها لدى فصيلتنا نحن الناس إلا عندما يتعلّق الأمر بـ"سلوكيّات" رياض سلامة.

عند البحث والتدقيق، يتّضح أنّ الرجل يجسّد في تركيبته "مثلّث الظلام" في الطّب النفسيّ: فهو يعاني من السيكوباثية (عدم القدرة على الشعور بالتعاطف تجاه الآخرين والندم على إلحاق الضرر بهم)، والنرجسيّة (هوس الشخص بنفسه)، والميكيافيلية (الاستعداد للقيام بأي شيء بهدف تحقيق مآرب شخصية).

لا يفوّت حاكم مصرف لبنان رياض سلامة فرصة لا يحاول فيها "مجاكرة" الشعب اللبناني. لا يتّعظ. لا يتعلّم. لا يتأدّب. ولا يتهذّب... يواجه عدداً من الدعاوى القضائية، فيستشرس في بجاحته وقلّة حيائه. يحاول مراراً تطيير التدقيق الجنائي ثمّ يستفحل في سفاهته. "يتفرعن" في تعاميمه الوقحة فيتهيّأ لمدير الشؤون القانونية لديه، أي في البنك المركزي، بيار كنعان أنه وجد المخارج السليمة له لنسف القوانين ومعها الدستور. يبتغي التطاول على القضاء... لا يأبه لدعوى "Bartlett" ضدّ 12 مصرفاً وفّر لها كلّ الأساليب غير المشروعة لغسل أموال "حزب الله" القذرة. لا يكترث لنظرة صندوق النقد ووكالات التصنيف ومعهما المجتمع الدولي إليه ... يُبطل مجلس شورى الدولة تعميماً باطلاً فيُطوّر طُرق غطرسته.

وللتذكير فإنّ قرار الشورى أوقف تنفيذ التعميم 151 وألزم المصارف إعادة الحقوق لأصحابها... إلا أن سلامة رفض الإذعان، علماً أنّ عدم الالتزام بقرار صادر عن أعلى هيئة قضائية في لبنان وحده كفيل بالزّجّ بالرجل في السجن، بغضّ النظر عن "ارتكابات" سلامة التي لا تزال موضع بحث أمام القضاء المحلي والدولي، وفقاً للمادة 371 من قانون العقوبات، والتي تنصّ على أن "كل موظف يستعمل سلطته أو نفوذه مباشرة أو غير مباشرة ليعوق أو يؤخر تطبيق القوانين أو الأنظمة وجباية الرسوم أو الضرائب أو تنفيذ قرار قضائي أو مذكرة قضائية أو أي أمر صادر عن السلطة ذات الصلاحية، يعاقَب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين".

لا يقتصر آخر فصول "إبداعات" سلامة على السطو على أموال المودعين في المصارف، ولا حتى على التلاعب بسعر صرف الدولار في السوق الموازية لتشليح الناس آخر دولاراتهم. ففي خضمّ حربه على القضاء اللبناني، نراه يصبّ كامل اهتماماته لتنفيع بعض الأصدقاء المنتمين إلى الكارتيل النفطي.

يتمّ ذلك من خلال تحجيم عمل ما تبقّى من مرافق حيوية للدولة كمنشآت النفط على سبيل المثال، حيث يقوم سلامة بتأخير فتح الاعتمادات عمداً ما يتسبّب بدفع غرامات تخطّى بعضها حدود الـ900 ألف دولار نقداً، والتي كان من الممكن تجنّب خسارتها سُدى لو قام بفتح الاعتمادات في الوقت المناسب.

ببساطة يفضّل "الحاكم الميكيافيلي" تحويل الدولارات إلى الخارج على شكل غرامة لكل يوم تأخير في تفريغ البواخر المحمّلة بالمشتقات النفطية، بدلاً من إبقائها في السوق اللبنانية للتداول في التجارة النفطية.

يشنّ سلامة إذاً حرباً مالية على المنشآت وكأنه يضيّق الخناق عليها لسبب لا يزال مجهولاً، حيث قرر منذ حوالى الشهر عدم الإفراج عن الأموال (بالليرة اللبنانية) لدفع مستحقات ورواتب الموظفين من دون أي تبرير منطقيّ. فالمنشآت، وعلى رغم كلّ التخبيصات، تمكّنت من تأدية دور إيجابي في السوق، فلجمت على قدر إمكانياتها، المحتكرين والمهرّبين المدعومين من الأحزاب وبعض المسؤولين في الأجهزة الأمنية.

بذلك تكون عينا سلامة، الشريك الأساسي في "الإفلاس"، جاحظتين أولاً على ذهب لبنان الذي لم يبقَ سوى مجرد معنويات بعدما ذوّب كل الأرباح المستقبلية التي كان يمكن تحقيقها جراء ارتفاع سعر المعدن الأصفر عالمياً. وثانياً على أصول الدولة. وإذا استمر الوضع على هذا المنوال لن تكون منشآت النفط إلّا المحطّة الأولى في مسيرة "وهب" الأصول العامة إلى شركات أجنبية ذات شراكة محلّيّة. وفي هذا الإطار، لا مفرّ من التساؤل عمّا إذا كان رياض سلامة متواطئاً مع "مافيا" مشروع "Rosneft" الذي يستحوذ على المنشآت لمدة 20 عاماً بعقد خطير هو "الأوقح" في تاريخ الجمهوريّة اللبنانيّة!