رياض سلامة "حالة خاصة"، لا بل خاصة جداً ونادرة جداً جداً، مصبوغة بالـ "سكيزوفرينيا" إلى آخر حبة من عناقيد الفصام... الخاص والعام. وجه بوجوه متعدّدة، متلوّنة، مقطّعة، موصّلة، متحوّرة، متحوّلة، يعجز عن وصفها أي كلام، ويستدعي فهم كل منها دراسات معمّقة وحديثة ومتطوّرة ومعقّدة... في الطب النفسي، وعلم الوقاحة وتشريح الخبث والبجاحة.
فرجُل تلك الوجوه كلها، لا يكترث لدعوى "Bartlett" ضدّ 12 مصرفاً وفّر لها بنفسه كل الأساليب غير المشروعة لغسل أموال "حزب الله" القذرة. لا يأبه لدعاوى الاحتيال والاختلاس وتبييض الأموال الدولية بحقه. لا يهتم بتقارير البنك الدولي ولا حتى صندوق النقد، وآخر همّ لديه نظرة المجتمع الدولي إليه. لا يتّعظ من أخطائه وخطاياه، ولا يخجل من أساليب الغش المزمن المقنّع والمكشوف، خصوصاً وأنه وحده يملك داتا محتكري العملات والمحروقات وصولاً إلى الغذاء والدواء وكل ما يقطع عن الناس الهواء.
عندما صدر قرار مجلس شورى الدولة الإعداديّ لوقف العمل بحسب سعر منصة الـ3900، قامت قيامة "جهلاء" القانون ولم تقعد. فضّل "هؤلاء" التعميم 151 المخالف للقانون والذي ألزم الناس رغماً عن أنوفهم الخضوع لـ"هيركات" فرض رياض سلامة نسبتها بما يتناسب مع مصالحه وجهازه المصرفي لإطفاء خسائرهم ولو دفترياً. سيقت أشرس الحملات ضدّ مجلس شورى الدولة ورئيسه. رُجم القاضي فادي الياس حتّى الشنق.
لماذا؟ لأنّ القرار ببساطة فرض إعادة الودائع إلى أصحابها بالعملة التي أودعت بها، أو على الأقل ما يعادل قيمتها الفعليّة. حافظ القرار على قيمة الودائع وعلى حقوق الناس. كما ألزم أن تكون عمليّة تحديد سعر الليرة صادرة بموجب قانون من مجلس النواب.
في الشكليّات، "قد" يكون القاضي الياس أخطأ في تلبية طلب رئيس الجمهورية ميشال عون. إلا أنه "ربما" يكون فعل ذلك لامتصاص نقمة أولئك الذين وجّههم حاكم البنك المركزي هرباً من مفاعيل القرار. إلا أن سلامة استغلّ الموقف. هرول إلى قطفه. غشّ الناس أو بالأحرى خدعهم. طمأنهم أن التعميم 151 سيبقى قيد التنفيذ. وعدهم أنه سيقدّم معطيات جديدة من شأنها أن تُعدّل في قرار "الشورى"، كما وعدهم أيضاً بتعميم جديد يعوّض عليهم شيئاً من حالات الذلّ. وفي النهاية سوّق خلافاً للحقيقة، أن قرار "الشورى" قد أُبطل...
أما النتيجة فكانت التعميم 158 الذي صدر بشكل رسمي بعد حملات تسريب وتكذيب ونفي، هدفت كلّها الى جسّ نبض الشارع قبل الصدور النهائي.
وعلى غرار تعاميمه السابقة، تعدّى سلامة حدود صلاحياته. حاول انتزاع صلاحيات تشريعية من هنا، وأخرى قضائية من هناك...
عمليّاً، لم يعد هناك من داعٍ لإضاعة الوقت في شرح "ارتكابات" حاكم مصرف لبنان كلما أصدر تعميماً. قراراته كلها متشابهة الأهداف والرؤى. وعلى غرار غيره، نسف التعميم المذكور جملة من القوانين أهمها "السرّية المصرفية" فمصرف لبنان ليس مشمولاً بقانون رفع السرية المصرفية الذي يشمل الجهات القضائية ولجنة الرقابة على المصارف.
ثمّ عاد وارتكب الخطأ عينه الذي كلّفه دعوى أمام مجلس شوري الدولة. اعتبر أن كل من لا تسري عليه شروط الاستفادة من التعميم 158، يمكن أن يستمر بسحب أمواله وفقاً للتعميم 151. يعني ذلك أن هناك أناساً سيسحبون أموالهم على أساس سعر صرف 3900 فيما يستفيد آخرون من منصة صيرفة أي على أساس 12000. ثمّ حدد فئة المودعين التي بوسعها سحب 400 دولار نقداً. كلّ هذه الأسباب تجعل من التعميم 158 بدوره وكما التعميم 151 قابلاً للطعن لدى مجلس شورى الدولة.
فالمجلس المركزي في مصرف لبنان مستمرّ بتجاوز حدود السلطة. تعاميمه ومنصّاته كلها مخالِفة للقانون (لفرض "منصّات" لا بدّ من وجود قانون ينظّم عملها). قراراته بغالبيتها الساحقة، تُلحق أضراراً جسيمة بالمودعين. وعليه، فإنّ هرطقاته القانونية كلها عرضة للإبطال.
كلّ الحملات التضليلية التي يسوّقها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة باطلة. لا بل إنها ساقطة مرة واثنتين وأكثر... كل محاولاته إيهام المودعين بدفاعه عن حقوقهم وحفظها من قِبل من قامر بها واختلسها واهية. لذا، وإن كانت المصارف التجارية عاجزة عن إعادة الودائع إلى أصحابها بالحالة كما أخذتها، وبما أن "المركزي" اعترف في تعاميمه بهشاشة أوضاعها المالية التي تصل إلى حدود الإفلاس، فلماذا لم تُعلن التوقّف عن الدفع حتى يتّخذ المودعون الإجراءات اللازمة؟



