"وهمٌ يقيّد بعضهم بعضاً به... وقيود هذا العالم الأوهام". لا شكّ أنّ الشاعر أحمد شوقي لدى كتابته هذه السطور كان يُدرك تماماً أنّ داء العقل هو أفظع ما قد يصيب إنسان. فمرض الضلال يجعل الإنسان يعتقد أنه عارف بكل شيء، وهو ما يُعتبر جهلاً مركّباً.
هذا في التوهّم. أما بيع الأوهام والتضليل فقضيّة أخرى، وهي أمرٌ يبرع فيه كلّ "أصحاب" الأحزاب السياسية، ومن ضمنهم رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع "الحكيم". كيف؟!
افترشت "القوات" الطرقات اللبنانية بشعاراتها الانتخابية الأقرب لكونها عناوين فضفاضة مستحيلة التحقيق... أقلّه في المدى المنظور.
دعت "القوات" على لسان رئيسها الناخبين للتصويت على قاعدة "مين بيقدر ومين ما بيقدر"، و"من يعمل ضمن فريق كبير لديه ما يكفي من التجربة والخبرة وخطط العمل والمشاريع وملمّ في عدد كبير من المناطق وله امتداد واسع فيها ويعرف حاجات شعبها، إضافة إلى امتلاكه شبكة علاقات عربية ودولية، ما هو غير متوفر لدى الأشخاص المستقلّين".
وممّا ركّز عليه جعجع الآتي: "نحن مع أي شخص يمكنه إخراجنا من هذا الوضع، إلا أن هناك معطيات واقعية، نحن بحاجة إلى مؤسسة كبيرة وأحجام كبيرة والقوات اللبنانية هي هذه المؤسسة التي تستطيع انتشال البلد من المكان الذي وصل اليه".
لكن، كيف ستحمي "القوات" التحقيق بجريمة مرفأ بيروت؟ وكيف ستحمي الشباب؟ كيف ستضبط التهريب؟ كيف ستوقف السرقات؟ كيف ستستعيد السيادة؟ وكيف ستحرر الدولة من هيمنة سلاح "حزب الله"؟ كيف ستحمي الهوية؟ والأهمّ، كيف ستُعيد حقوق المودعين؟ كيف ستؤمّن الطبابة والاستشفاء والتعليم؟ وكيف سيؤتمن على حقوق الناس من يهبّ لمساندة اللوبي المصرفي ضدّ القضاء معتبراً ان تشميع مصارف سرقت أموال الناس ليس سوى محاولة لتطيير الانتخابات؟
من أين ستأتي "القوات"، التي أوقفت "مسيرتها" لضيق الحال، بالأموال لتحقيق هذا "الكلام الانتخابي" الذي لا يعدو كونه "حكياً معسولاً وجميلاً" إلا أنه في مجمله صعب التنفيذ إذا لم يكن مستحيلاً! ولذلك قد تنجح "القوات" في طرح الشعارات لكنها حتماً ستسقط في جمع الأصوات في صناديق الانتخاب، بعد أن خاب الأمل بالطروحات وانكشاف خزعبلات وألعاب اتفاق معراب، فوق الطاولة وتحتها، وشرب الأنخاب "حيث أُقصيَ الآخرون"، والإخوة بالسلاح والدم والمقاومة والعرق والتعب والميرون...
والمعلوم أن "القوات" تتلاقى مع غالبية القوى السياسية المتواجدة في السلطتين التشريعية والتنفيذية لسنوات، ولكن من دون أي إنجازات يلمسها المواطن الجائع والمريض والمذلول. "يُقال" أن وزراءها كانوا مِن "أنظف" مَن تسلّم حقائب وزارية، إلا أن سجلّ حضورها في المجلس النيابي كان أيضاً "نظيفاً" من أي إنجازات تُعقد عليها الآمال المنشودة.
لذا، فإنّ طرح أنّ "القوات قادرة" ليس إلا لشدّ العصب الشعبي قبيل الانتخابات النيابية المقبلة. فتحضّروا لـ "حرب الصناديق"... إذا حصلت.


