ماذا تريد الشركات المستوردة للنفط تحديداً؟ وعلى أيّ أساس توقف وتعاود تسليم المحروقات للمحطات؟
قبل الإجابة، لا بدّ من إيضاح واقع مرير: الشعب اللبناني محكوم من "كارتيلات". "كارتيلات" احتكرت كل القطاعات. استحوذت، لا بل تفرّدت باستيراد النفط، هيمنت على المستشفيات، واستيراد الأدوية والمستلزمات الطبية والصيدليّات... من دون أن ننسى طبعاً المصارف وأصحاب السوبرماركت والتّجّار: تجّار القمح والمواد الغذائية والسلع الاستهلاكية. كلّهم رؤوس لأفعى واحدة. كلّهم يُطبقون قبضتهم على الناس. وكلّهم يزخرون بامتيازات من "الهارب من العدالة" رياض سلامة...
لذا، لا تصدّقوا تلك الفولكلوريات والمسرحيات وحفلات "النق" و"النعي" الإعلامية...فكلّهم متّفقون.
الأسبوع الماضي، أقفلت غالبية محطات المحروقات أبوابها أمام المواطنين. بُرّر الإغلاق بطلب شركات الاستيراد من المحطّات تسديد ثمن البضاعة بالدولار نتيجة الأزمة بينها وبين مصرف لبنان حول بيعها الدولارات على سعر "منصة صيرفة".
سارع صاحب السلطة الرقابية، أي الوزير، إلى محاولة حلحلة الموضوع. تبعه رياض سلامة الذي بات معروفاً أنه يُلازم مبنى البنك المركزي في محاولة فاشلة منه للإيحاء بأنه كالأيام الخوالي قادر على فكّ وربط "الأزمات". وعليه، أعلنت الشركات المستوردة للنفط تسليم المحروقات إلى الموزّعين والمحطات وفقاً لجدول تركيب الأسعار الرسمي الصادر عن المديرية العامة للنفط في الوزارة، تلبيةً لحاجة السوق المحلية. وفي موازاة ذلك، حدّد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، سعر الدولار الأميركي المعتمد والثابت لاستيراد البنزين لغاية مساء يوم الثلثاء 29 آذار بـ22 ألفاً ومئتي ليرة لبنانية نقداً "وذلك كرمى لعيون الشركات المستوردة لمادة البنزين".
كان الاتفاق كفيلاً بحلحلة الوضع أقلّه خلال عطلة الأسبوع. ذلك لو التزم "الكارتيل" المستورد للمحروقات بتوزيع الكميات المطلوبة، بما أنه أكّد أن الكميات مؤمّنة للمواطنين. إلا أنّ ذلك لم يتحقّق. فبقيت الطوابير، واستمرّت معها عمليات إذلال الناس.
اما الهدف وراء ذلك، فكان التوصل إلى Deal. وقد نجح "اللوبي النفطي" بفرض التسوية وجاءت كالعادة لصالحه.
وصدرت تسعيرة جديدة بعد الاتفاق بين وزارة الطاقة والمياه والشركات. وأتت تفاصيل الجدول الجديد على الشكل التالي:
- يُضاف على احتساب سعر صفيحة البنزين 500 ليرة لكلّ دولار، كهامش يضمن حقّ الشركات في حال ارتفاع سعر دولار منصة "صيرفة".
- وفي حال انخفاضه يُحسم هذا الهامش من سعر جدول اليوم التالي.
- يُضاف أيضاً مبلغ لتعويض نسبة الـ1٪ التي تدفعها الشركات المستوردة للمصارف عند تحويل الأموال من الليرة اللبنانية إلى الدولار، ما يُترجم بنحو 15 ألف ليرة زيادة على سعر الصفيحة.
475 ألف ليرة اذاً أصبح سعر صفيحة البنزين إذا لم يرتفع سعر برميل النفط عالمياً.
تُفاجِئُنا "المافيا" المستوردة للنفط بالتهديد والوعيد والتوقف عن تسليم المحروقات إلى المحطات. تنجح بفرض شروطها. ثمّ تُسارع إلى الإعلان عن تسويات مع حاكمية المصرف المركزي كلما شعرت بأن أرباحها تهتزّ.
وهنا لا بدّ من التذكير بأنّ جدول تركيب الأسعار الذي تُصدره المديرية العامة للنفط، قد لحظ أرباحاً خفيّة تحت مسمّى أرباح إضافية كانت تغطّي أصلاً هامش تلاعب سعر الدولار. وذلك قبل ارتفاع الأسعار عالمياً، وحتى قبل معاودة الدولار إلى الارتفاع. الى ذلك، لا تزال "ضرائب" البنزين المستورد تُسدّد على سعر صرف 1515 فيما تُستوفى من المواطنين على سعر دولار السوق، ما يعني ارباحاً اضافية مخفية بنحو 30 الف ليرة لبنانية للصفيحة الواحدة.
لذا، لا يمكن إدراج ما ترتكبه الشركات المستوردة للنفط بحق المواطنين إلّا في خانة إرساء قواعد لعبة جديدة، وهي إن دلّت على شيء فعلى تكريس مبدأ أرباح هذا "الكارتيل" الذي يبدو محميّاً مالياً بأمر مباشر من حاكمية البنك المركزي... إلى أن يثبت العكس.



