طلال فاخوري


يغادروننا واحداً تلو آخر، فيضيق الأفق أمامنا وتستحيل الرؤية. عزاؤنا الوحيد في رحيلهم، ما خلّفوه لنا من كتب ودراسات ومقالات ومحاضرات، لكن هل من يقرأ؟

عن 84 عاماً، ودّعنا أمس جورج قرم، المثقف والأكاديمي والاقتصادي والروائي والوزير والسياسي والمفكّر، وقبل ذلك كله وبعده النهضوي والإصلاحي والتنموي.

كان المشرق كله بقضاياه وتاريخه وحاضره ومستقبله، شغله الشاغل وهاجسه الأول والأخير. وكان العرب، ديناً ودنيا وهويات وطوائف ومذاهب، همّه الأول والأخير. قرأ الشرق من الغرب، واضعاً الإصبع على الجرح الحقيقي؛ الاستعمار، والنظرة الغربية إلى هذا الشرق الغارق في التاريخ والأساطير والمشكلات والآفات. وقدّم الحل: التنمية والتحديث، ولكن هل من يسمع؟

 

لم يكتف بالتنظير 

لم يكتفِ جورج قرم بالتنظير والكتابة والبحث والتمحيص، بل نزل إلى الميدان مستمعاً إلى جمال عبد الناصر وهو يعلن تأميم قناة السويس ضاحكاً، عام 1956، ثم وزيرا بعد ذلك محاولاً إصلاح الاقتصاد اللبناني، إذ شغل وزارة المالية في حكومة الرئيس سليم الحص (1998-2000)، وبينهما نضاله في الجزائر راسماً الخطط الاقتصادية والمالية لنظام ثورة المليون شهيد.

ولكن بلادنا لا تجيد سوى فن الرثاء، ولا تتقن إلا المراسم الجنائزية ووضع الأوسمة على الجثامين، ثم تقبّل التعازي والترحّم على أموات لا حياة لنا من دون العودة إلى مسيرتهم وسيرهم وإنتاجهم وإبداعاتهم.

وجورج قرم في طليعة هؤلاء.

 

من هو جورج قرم؟

مفكّر ومثقّف وأكاديمي واقتصادي وروائي وسياسي لبناني، وُلد في القاهرة عام 1940، ونبغ في دنيا العرب وفي العالم أجمع اقتصادياً من طراز رفيع، وباحثاً لا يعود من أبحاثه بغير المحار، وسياسياً شهد له العالم واللبنانيون بنظافة الكفّ ونصاعة الضمير، كما شهدوا له بالعلم والرقي.

هو من سلالة المسيحيين اللبنانيين الذين أضاؤوا سماء العرب والعالم، ونشدوا النهضة والخير للجميع، ولم يتمترسوا خلف هوية ضيقة. يتحدر من عائلة أرستقراطية معروفة، فجدّه داوود قرم رائد فن الرسم في لبنان داود قرم، ووالده جورج رسَّام أيضاً، وعازف ماهر على البيانو، ساهم في تأسيس الكونسرفاتوار اللبناني. والدته ماري بخيت، تنتمي إلى أسرة لبنانية سورية الأصل استقرت في مصر. أما عمّه شارل قرم فصاحب "المجلة الفينيقية" وديوان "الجبل الملهِم"، وكان الراحل يستشهد بشعره كثيراً ولا ينفك يردد بيتاً منه كان شديد الإعجاب به: "يا أخي المسلم، لا تنس أننا قبل أن نكون مسلمين ومسيحيين، كنا كلنا فينيقيين".

أتمّ جورج قرم دراسته الثانوية في القاهرة، ومنها أرسله والده إلى سويسرا ليتخصص في الهندسة، لكنه انتقل منها إلى جامعة باريس، حيث تخرَّج في معهد العلوم السياسية فرع الاقتصاد، متخصصاً في "المالية العامة والقطاع العام" عام 1961. وحصل على إجازة في الاقتصاد السياسي عام 1961، وفي القانون المدني والتجاري عام 1962، ثم على دبلوم الدراسات العليا في القانون الدستوري عام 1966. ثم نال شهادة دكتوراه دولة في القانون الدستوري بتفوُّق، مع تهنئة اللجنة الفاحصة والتوصية بنشر الأطروحة عام 1969، وموضوعها "تعدُّد الأديان وأنظمة الحُكم".

بعد تخرّجه عمل أستاذاً محاضراً في الجامعة اليسوعية في بيروت من 1973 إلى 1982، ودرَّس القانون الدستوري، والفكر السياسي العربي المعاصر، والظاهرة القومية في العالم الثالث، وفي الجامعة اللبنانية في بيروت من 1977 إلى 1985، وكان مشرفاً على دبلوم الدراسات العليا في سوسيولوجيا التنمية، وفي الجامعة الأميركية في بيروت من 1981 إلى 1982، ودرَّس فيها التاريخ الاقتصادي، والأسواق المالية.

ألقى العديد من المحاضرات في الجامعات والمعاهد الأوروبية والأميركية والعربية عن الشرق الأوسط والعالم العربي، وشارك في ندَوات فكرية وأكاديمية.

عام 1998، عُيّن وزيراً في حكومة الرئيس سليم الحص، واستمر في منصبه حتى العام 2000. حاول الإصلاح ولكن هل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟

لجورج قرم مؤلفات كثيرة أبرزها: "تعدُّد الأديان وأنظمة الحكم" (دار النهار/ 1977)، "الاقتصاد العربي أمام التحدّي" (دار الطليعة/ 1977)، "التبعية الاقتصادية، مأزق الاستدانة في العالم الثالث في المنظور التاريخي" (دار الطليعة/ 1980)، "التنمية المفقودة، دراسات في الأزمة الحضارية والتنموية العربية" (دار الطليعة/ 1981)، "أوروبا والمشرق العربي، من البلقنة إلى اللبننة: تاريخ حداثة غير منجزة" (دار الطليعة/ 1990)، "التحوُّل" (رواية عن الحرب اللبنانية باللغة الفرنسية، باريس 1992.)، "النزاعات والهُوِيَّات في الشرق الأوسط، 1919-1991"، "مدخل إلى لبنان واللبنانيين، يليه اقتراحات في الإصلاح" (دار الجديد/ 1996)... وغيرها الكثير من الكتب والدراسات والمحاضرات والمقالات.

 

لحظة فارقة

يغادنا جورج قرم ونحن على مفترق طرق، وعلى حافة هاوية سحيقة تداهمنا استحقاقات لا حصر لها ولا عدّ. فنحن في حرب محدودة حتى اللحظة، قد تتوسع بين لحظة وأخرى فتحرق اليابس واليابس إذ لا أخضر في بلادنا منذ زمن بعيد. ونحن بلا رئيس من أشهر بل منذ سنتين تقريباً. ونحن في انهيار اقتصادي لا مثيل له في التاريخ. وقبل ذلك كله وبعده، نحن في انهيار أخلاقي ما بعده انهيار. ونحن ونحن ونحن...

في هذه اللحظة الفارقة، يغادرنا جورج قرم، فهل أراد برحيله هذا أو بتوقيت رحيله هذا، أن يقول لنا شيئاً؟

من المؤكد أن جورج قرم وأمثاله، لا يرحلون جزافاً هكذا. الإجابة حتماً في ما خلّفه وراءه لنا من كتب وأبحاث.

فهل من يقرأ؟