يقف الشرق الأوسط على حافةٍ لا تحتاج إلى بيان حربٍ كي تشتعل. يكفي أن يخطئ طرفٌ في قراءة طرف، أو أن تُسعف الغرورَ فكرةُ «الضربة السريعة»، أو أن يَغلب الوهمُ على الحساب. في تلك اللحظة، لا يعود السؤال: هل تندلع الحرب؟ بل: كيف ستتدحرج، ومن أين ستبدأ، وأيُّ أبوابٍ ستخلعها في طريقها؟


تتحرك الولايات المتحدة بثقلها العسكري كمن يضع يده على زرّين في آن: زرّ التهديد وزرّ التفاوض. حشودٌ بحرية، رسائل جاهزية لعمليات قد تمتد أسابيع، وتطمينات لفظية بأن الدبلوماسية هي الخيار “المفضل”. هذا التناقض ليس عيباً في الخطاب بقدر ما هو عقيدة قديمة في إدارة الخصوم: تفاوضٌ مدعوم بالقوة، وقوةٌ تُعرض كي لا تُستخدم… أو كي تُستخدم إذا فشلت اللغة.


في المقابل، لا تُخفي طهران أنها تقرأ المشهد بوصفه امتحاناً للردع لا للمزاج. مناورات في مضيق هرمز، مراجعة دائمة للخطط، ورسالة واحدة تُقال بطرق مختلفة: أي هجوم لن يبقى محصوراً داخل عناوينه. لن يكون “ضربة” تُقاس بساعات نشرات الأخبار، بل شرارة تُشعل الإقليم إذا أُريد لها أن تُشعل. وبين رغبةٍ في تجنّب الحرب واستعدادٍ لها، تقيم إيران توازنها القاسي: لا تُغريها المغامرة، لكنها لا تقبل أن تُساق إلى الاستسلام تحت وطأة التهديد.


وسط هذا الشدّ، تسير المفاوضات غير المباشرة كأنها محاولة لشراء الوقت قبل أن يشتري الوقتُ الحرب. مسقط فتحت قناة، وجنيف تُستدعى كغرفةٍ إضافية لتهدئة حرارة المشهد. غير أن الدبلوماسية هنا ليست طاولة سلامٍ صافية؛ إنها طاولة مفاوضات على حافة فوهة. لغة واشنطن تُزاوج بين الوعيد والصفقة، فيما تُصرّ طهران على معادلتها الأساسية: رفع العقوبات أولاً، والملف الصاروخي خارج المقايضة لأنه في منطق الدولة ليس ملفاً تفاوضياً بل عموداً في بيت الردع.


لكن “الشيطان” يسكن التفاصيل دائماً. فبين عناوين الاتفاق العريضة تتكدّس الألغام: نسبة التخصيب، حجم المخزون المخصّب، عدد أجهزة الطرد المركزي، حدود الرقابة الدولية، والجدول الزمني لأي تفكيكٍ أو تجميد. كل بندٍ في هذه القائمة قادرٌ وحده على إسقاط التسوية، لأن التسوية هنا ليست مسألة تقنية بل مسألة ثقة—والثقة معدومة تقريباً.


في هذا الفراغ، تتقدم إسرائيل لا كحليفٍ يراقب بل كلاعبٍ يدفع باتجاه الحسم. ما تريده تل أبيب ليس فقط تقليص قدرة إيران، بل تغيير قواعد اللعبة برمتها: ضرب الردع الإيراني إلى الحد الذي يبدّل التوازن الإقليمي. ومن هنا يفهم كثيرون سبب محاولة جرّ واشنطن إلى مواجهة مباشرة: فالحرب الكبرى—إذا وقعت—ستُدفع كلفتها من المنطقة كلها، بينما تُحصّل إسرائيل مكاسبها الاستراتيجية بأقل ثمنٍ مباشر ممكن. لذلك يعود السؤال الأميركي الداخلي كحجرٍ في حلق السياسة: هل تُدار الأزمة وفق “أميركا أولاً”، أم تُصاغ المصالح على إيقاع “إسرائيل أولاً”؟ سؤال لا يُقال بهذه العبارة دائماً، لكنه حاضرٌ في كل جدل عن جدوى الحرب ومن سيدفع كلفتها.


والكلفة ليست نظرية. داخل واشنطن من يحذر من الوقوع في فخّ الصور السهلة عن إيران: مرة تُبالغ الولايات المتحدة في تقدير ما تستطيع طهران فعله، ومرة تُقلل من شأن قدراتها فتعتبرها “في أضعف حالاتها” وتتعامل مع ذلك كأنه ضمان. كلا المبالغتين قد تقودان إلى سلسلة أخطاء قاتلة. ثم هناك عاملٌ لا يمكن تجاهله: السياسة الأميركية نفسها مقيدة بكوابح داخلية. الكونغرس، قانون صلاحيات الحرب، حساسية الرأي العام تجاه خسائر بشرية… كل ذلك يجعل قرار الحرب مكلفاً على البيت الأبيض قبل أن يصبح مكلفاً على الميدان.


وفي المقابل، تُراهن إيران على قاعدةٍ أبسط وأكثر قسوة: إذا أردت أن تمنع الحرب، ارفع كلفتها على خصمك قبل أن يبدأها. هكذا تُقرأ، في العقل الإيراني، شبكة العلاقات الإقليمية والقدرات المتراكمة خارج الحدود: ليست ترفاً أيديولوجياً، بل “تأمين حياة” لدولة ترى نفسها محاصرة. غير أن الطرف الآخر يقرأ القاعدة نفسها بوصفها تهديداً دائماً: نفوذٌ عابر للحدود، وقدرة على تعطيل الملاحة، وأذرع تُستدعى عند الحاجة. وبين قراءتين متناقضتين لشيء واحد، تتسع هوة سوء الفهم.


ثم يأتي الاقتصاد كنافذةٍ محتملة، وربما كفخ محتمل أيضاً. طهران تجعل رفع العقوبات جوهر أي اتفاق، لأنه وحده ما يمكن أن يُترجم في الداخل بوصفه “ثمناً” يستحق التنازل التقني. وواشنطن—خصوصاً مع رئيس يرى العالم بمنطق الصفقات—قد ترى في الباب الاقتصادي مساحة للإغراء: عقود، استثمارات، ترتيب مصالح. لكن الاقتصاد حين يدخل كأداة ضغط يصبح سلاحاً ذا حدّين: إذا طُلب من إيران أن تدفع في السيادة مقابل لقمة اقتصاد، فالاتفاق ينهار قبل أن يولد.


وفي الخلفية يلوح شبح “تغيير النظام”، سواء قيل بصراحة أو صيغ بلغة أكثر نعومة مثل “إضعاف النظام” و“زعزعة الاستقرار”. غير أن التاريخ هنا ليس صفحة بعيدة: العراق يُذكّر الجميع بأن إسقاط الأنظمة لا يملك نهايةً مضمونة. السؤال الذي طُرح يوماً قبل غزو بغداد—“أخبرني كيف سينتهي هذا”—يعود اليوم كسؤالٍ مقلق لأن أحداً لا يملك جواباً إذا تحولت إيران إلى ساحة فوضى مفتوحة أو إذا انفتحت أبواب المنطقة على انهيارات متسلسلة.


المفارقة القاتلة أن الجميع يعلن أنه لا يريد الحرب، لكن الجميع يتصرف كما لو أنه يستعد لها. واشنطن تكدّس القوة كي تُقنع خصمها بالتفاوض، وطهران ترفع الجهوزية كي تمنع الضربة، وإسرائيل تُلاحق لحظةً ترى فيها فرصة لتغيير التوازن. وبين هؤلاء، تقف المنطقة مثل جسدٍ واحد على حافة النار: النفط، المضائق، الأسواق، الأمن الداخلي، والخرائط السياسية التي لا تتحمّل اهتزازاً جديداً.


“التسوية” ليست بعيدة لأنها مستحيلة فقط، بل لأنها مختلفة المعنى بين طرفين لا يلتقيان على تعريف واحد للحد الأدنى. إيران تريد رفع العقوبات مع الحفاظ على أعمدة الردع. واشنطن تريد ضماناً صارماً في النووي وتعديلاً في السلوك الإقليمي. إسرائيل تريد ما هو أبعد: شرق أوسط بإيران أضعف إلى درجة تغيّر ميزان القوة. وبين هذه الأهداف المتضاربة، تمشي المفاوضات كمن يسير على حبلٍ مشدود فوق هاوية: خطوةٌ للأمام كي لا يسقط… وخطوةٌ مترددة لأن الهواء نفسه مملوء بشرر قابل للاشتعال.