مشكلتنا ليست أن قانون “إصلاح المصارف” يحتاج تعديلاً. مشكلتنا أنّه كلما اقتربنا من لحظة الإصلاح الحقيقي، تُفتح أبواب جديدة للتأجيل. تُقال ملاحظات، ثم تُضاف ملاحظات على الملاحظات، ثم يُقال إن النص سيُعدَّل… ثم يُعدَّل مجدداً تحت قبة البرلمان لأن التعديل نفسه لم يُرضِ صندوق النقد. بهذا الشكل، يتحول القانون إلى ورقة تتحرك بين الحكومة واللجنة والصندوق، فيما البلد ينتظر، والخسائر تكبر، ومن تسببوا بالأزمة يربحون الوقت كأنه إنجاز.

المعركة هنا واضحة وبسيطة: هل يُكتب قانون يمنع التعطيل ويُجبر المصارف على الخضوع لقواعد إعادة الهيكلة؟ أم يُكتب قانون يبدو إصلاحياً، لكنه مليء بمخارج الطعون وتضارب المصالح، بحيث يستطيع أي مصرف أن يجرّ العملية إلى المحاكم ويُجمّدها سنوات؟ بين نصٍ يريد الصندوق أن يكون صارماً، وبين منظومة تعرف كيف تترك “ثغرة” في كل مادة، يصبح الإصلاح في لبنان امتحاناً: إمّا قانون يعمل… أو قانون يُستعمل للتأجيل.


الثلاثاء الماضي، فتحت لجنة المال والموازنة ملف تعديل قانون “إصلاح المصارف” الذي كان المجلس النيابي قد أقرّه في تموز. نظرياً، التعديل جاء ليعالج ملاحظات صندوق النقد. عملياً، تبيّن سريعاً أن “ملاحظات الصندوق” ليست لائحة تُقفل. بل بابٌ يُفتح كل أسبوع. مصادر نيابية تتحدث عن اجتماعات تُعقد هذا الأسبوع بين فريق العمل الحكومي وفريق الصندوق لبحث توصيات إضافية جديدة. المعنى المباشر: النص الذي قُدّم كتعديل قد يتحول إلى مسودة أولى… تحتاج تعديلاً جديداً تحت القبة. والرسالة السياسية أوضح: إذا كان المطلوب خطوة تشريعية تُمهد لاتفاق نيسان، فالمطلوب ليس التصويت على أي صيغة، بل إنتاج صيغة “غير قابلة للفرملة” عند أول اشتباك.


وبينما يتحرك ملف “إصلاح المصارف” بهذه السرعة المشوبة بالالتباس، يبقى مشروع “قانون الفجوة المالية” في الثلاجة. ليس لأنه غير مُحال. بل لأن المطبخ لم ينجز وصفته بعد. هناك تعديلات إضافية يُراد إدخالها لتقريب المشروع من رؤية الصندوق، وفي المقابل لا يزال حاكم مصرف لبنان كريم سعيد يضع علامات استفهام وتحفظات على هذه المقترحات. النتيجة شبه محسومة: تسويات تُطبخ خلف الستار قبل أن تُعرض على النواب. أي أن النقاش النيابي العلني يُؤجَّل حتى تكتمل “صفقة الصيغة” بين الحكومة والصندوق والمصرف المركزي.


مع ذلك، لا يمكن إنكار أن تعديلات الحكومة على قانون “إصلاح المصارف” حاولت تقوية نقاطٍ كان الصندوق يضع إصبعه عليها منذ البداية: تضارب المصالح، ثقوب الطعون، ومرونة تُحوّل إعادة الهيكلة إلى سيرك قضائي.


أول ما عمل عليه المشروع هو “تركيبة الهيئة المصرفية العليا”. لأن أي هيئة تُقرر مصير المصارف يجب أن تكون محصنة من نفوذ المصارف نفسها. من هنا جاء حذف عضوية ممثل المؤسسة الوطنية لضمان الودائع، باعتبار أن إدارة المؤسسة واقعة عملياً تحت تأثير جمعية المصارف. وجاء أيضاً سحب حق تجمع الهيئات الاقتصادية في اقتراح اسم الخبير الاقتصادي داخل الهيئة، لأن جمعية المصارف طرف مؤسس وفاعل داخل هذا التجمع. هذه ليست تعديلات شكلية. هذه محاولة لقطع قناة النفوذ التي تسمح للمصارف بأن تتسلل إلى الجهة التي ستقرر: من يُعاد رسملته؟ من يُدمج؟ من يُصفّى؟ وكيف تُوزع الخسائر؟


ثم انتقلت التعديلات إلى “أدوات العلاج” نفسها. وضعت تعريفات أوضح لخيارات إعادة الرسملة، ومنها الـBail-in الذي يتيح تحويل جزء من التزامات المصارف إلى أسهم لامتصاص الخسائر. ووسّعت الصورة باتجاه إعادة الرسملة عبر إدخال مساهمين أو مستثمرين جدد، أو عبر دمج المصارف المتعثرة بمصارف أكثر ملاءة. الهدف هنا واضح: تحويل “إعادة الهيكلة” من شعارٍ فضفاض إلى مسارٍ يمكن تشغيله فعلياً.


الأهم أن المشروع أعاد تثبيت قاعدة تراتبية الحقوق والمطالب في توزيع الخسائر. ليس كمبدأ عام فقط، بل عبر إزالة نصوص كانت تفتح الباب لاستثناءات على هذه القاعدة. وهذه النقطة بالذات هي قلب الصراع في لبنان: أي استثناء على التراتبية يعني عملياً إمكانية تفصيل خسائر على قياس الأقوى، وإعادة إنتاج الظلم المالي بصياغة قانونية نظيفة.


وفي ملف الطعون، حاول المشروع كسر ثقافة “التعطيل بالشكوى”. فقيّد اعتراض المصارف على التقييمات بحالات الأخطاء المادية والوقائعية، ووضع مهلًا أوضح للاعتراض ثم لإعلان نتائج التقييم. وبهذا أراد أن يطمئن الصندوق: لن تُترك عملية إعادة الهيكلة رهينة طعون مفتوحة بلا سقف. وفي الوقت نفسه، ثبّت حق لجنة الرقابة على المصارف بتعيين مدققين مستقلين حتى بعد تقديم الطعون والمراجعات، كي لا تتحول الطعون إلى ذريعة لنسف دور اللجنة لاحقاً.


لكن الصندوق، وفق ما تنقله المصادر النيابية، عاد ورفع سقف طلباته بدل أن يكتفي بهذه الخطوات. يريد تضييقاً أكبر لحق الاعتراض، إلى حد حصره بحالات محددة جداً. ويريد أن تكون قيادة عملية التقييم بيد المدقق المستقل وحده، من دون تدخل من الهيئة المصرفية العليا أو من لجنة الرقابة. هذا مطلب حساس لأنه يختصر هامش السياسة والإدارة داخل منظومة التقييم، ويقلّص فرص التلاعب بنتائجه من الداخل.


ويطلب الصندوق أيضاً وضع معايير تشغيل واضحة تحدد متى “تُفعل” عملية إعادة الهيكلة للمصارف المتعثرة. أي منع الانتقائية. منع إنقاذ “الأصدقاء” وترك “الضعفاء”. جعل التفعيل نتيجة معايير لا نتيجة صفقات.


ثم يأتي مطلبه التشريعي الأخطر: أن يُنص صراحةً على أولوية تطبيق قانون إصلاح المصارف على أي نصوص أخرى سابقة أو موازية تتناول إعادة هيكلة المصارف. الهدف هو توحيد المرجعية لأن التشظي التشريعي يخلق مساحة مناورة: كل طرف يختار النص الذي يناسبه ويطعن بما لا يناسبه. والصندوق يريد قانوناً “سيداً” على ما قبله وما حوله.


وفي ملف الدعاوى القضائية، يريد الصندوق تضييق مفاعيلها بحيث تنحصر بالتعويض عند حصول ضرر، من دون أن تمس قرارات إعادة الهيكلة نفسها. الرسالة هنا بلا تجميل: لا تعطيل للمسار عبر المحاكم. التعويض ممكن. لكن إيقاف القرار أو تجميده يجب أن يصبح شبه مستحيل. لأن تجربة لبنان تقول إن المصارف تملك ذخيرة طعون قادرة على قتل أي إصلاح إذا بقي الباب مفتوحاً.


أما أين وصلت اللجنة فعلياً؟ تقريباً، لا مكان. النقاش لم ينتج تقدماً يُذكر حتى الآن. والحديث الجدي مرجح أن يبدأ الأسبوع المقبل، بعد أن تتضح نتيجة اجتماعات الحكومة مع الصندوق حول “الملاحظات الإضافية”. وحتى عند بدء النقاش، ستطفو العقدة التي تفسر لماذا أُقر القانون في تموز بطريقة لا ترضي الصندوق: التباعد بين مقاربة حاكم مصرف لبنان ومقاربة الصندوق. هذا التباعد، إذا لم يُعالج سياسياً قبل أن يُعالج قانونياً، سيعيد إنتاج النص نفسه: قانون يبدو إصلاحياً في الورق، هشاً في التنفيذ.


القضية هنا ليست أن الصندوق “يزيد شروطه” وحسب. وليست في عدد المواد التي ستُعدَّل، بل في النتيجة: هل ستخرج صيغة تمنع المصارف من تعطيل التقييم وإعادة الهيكلة عبر الطعون، وتمنع تضارب المصالح داخل الهيئات التي تقرر مصير المصارف، وتثبت قاعدة واضحة لتوزيع الخسائر بلا استثناءات؟ أم سنعود إلى السيناريو نفسه: قانون يُعلن إصلاحاً على الورق، ثم تُفرمله دعاوى قضائية ومراجعات لا تنتهي؟

إذا كانت الدولة تريد اتفاق نيسان، فلا يكفي أن “تُرضي الصندوق” بالكلام. المطلوب نصٌ لا يمكن الالتفاف عليه، ومعايير تشغيل واضحة لبدء إعادة الهيكلة، وأولوية قانونية تمنع الفوضى بين القوانين، وحصر الدعاوى بحيث لا توقف القرارات. غير ذلك يعني شيئاً واحداً: الإصلاح مؤجّل، والمحاسبة مؤجلة، والدفع مؤجل… بينما الانهيار مستمر، والوقت يعمل لمصلحة من يريدون أن تبقى المصارف فوق المساءلة