ليس “فيلق القدس” مجرّد وحدةٍ عسكرية ضمن بنية الحرس الثوري، بل تحوّل مع الزمن إلى جهازٍ أمنيّ فريد الشكل والطابع: عملياته لا تُقاس بخرائط الدول ولا بحدود الجغرافيا، وعواقبه لا تتوقف عند توازنات الداخل الإيراني، بل تمتدّ لتلامس استقرار الشرق الأوسط برمّته—تحالفاً حيناً، وضغطاً حيناً آخر، وخلطاً دائماً للأوراق بين الخصوم والحلفاء.
متى ظهر الفيلق؟ وكيف تشكّل هذا “الذراع” بعد سقوط الشاه، ولماذا انتهت الثورة إلى مؤسسةٍ عابرة للحدود بهذا القدر من الجرأة والفعالية؟
بعد إسقاط نظام الشاه، دخلت إيران حالة “سيولة ثورية” لم تقبل بفكرة الاكتفاء بالداخل، ولا بالحدود كخطوط فاصلة بين مشروعٍ ومشروع. كان الحلم أكبر من الدولة: تمددٌ خارج الجغرافيا، وترجمةٌ للثورة كفكرة قابلة للتصدير والتثبيت وإنتاج النفوذ. ولتحقيق هذا الغرض سلكت طهران أكثر من مسار في آنٍ واحد.
في تلك المرحلة تأسّس “مكتب حركات التحرر الإسلامية”، وبالتوازي نشطت مديرية استخبارات الحرس الثوري التي ركّزت باكراً على لبنان، إلى حدّ نقل بعض كتائب الحرس إلى ثكنة عسكرية في بعلبك، لتصبح عملياً أول مقرّ للحرس الثوري خارج إيران. ومع اشتعال الحرب العراقية–الإيرانية، ظهر مسارٌ آخر عبر إنشاء “قاعدة رمضان” العسكرية، المكلّفة بتدريب الأكراد والمعارضين العراقيين لتنفيذ عمليات نوعية ضد نظام صدام حسين.
لكن كثرة الأذرع وتعدد المسارات لم يكن دائماً علامة قوة: غياب التنسيق بين هذه الجهود أفضى إلى أضرارٍ ارتدّت على المصالح الإيرانية نفسها. وبدلاً من أن تكون الدولة ماكينة واحدة، بدت ككيانٍ تتنازع داخله “رؤوس” متنافسة، يشتبك بعضها مع بعض، في صورةٍ قاسية تشبه ما وصفه الصحافي الفرنسي مارك كرافيتز: دولةٌ تتحوّل إلى وحشٍ متعدد الرؤوس.
استمرّ هذا التنازع حتى توقّفت الحرب مع العراق ورحل الخميني. عندها قرر خليفته علي خامنئي إنهاء “الفوضى المنظمة” ودمج هذه الرؤوس تحت مظلة واحدة: هكذا ظهر “فيلق القدس” بوصفه الإطار الجامع للعمل الخارجي، والأداة التي تُمسك بالخيوط بدل أن تتشابك داخلها.
أُسنِدت القيادة الأولى للعميد أحمد وحيدي، الذي كان حينها رئيس مديرية استخبارات الحرس الثوري. وفي الخلفية كانت المنطقة تشهد تصعيداً من نوعٍ آخر: محاولات ضرب واستهداف لمصالح إسرائيلية وأميركية في أماكن متعددة حول العالم، بما جعل إيران في نظر خصومها “المتهم الدائم”، حتى حين تتمسّك بالنفي.
شهد عام 1992 تفجير السفارة الإسرائيلية في بوينس آيرس، ما أدى إلى مقتل 29 شخصاً وإصابة نحو 200. وفي العام نفسه وقع اغتيال صادق شرف كندي، الأمين العام للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وثلاثة من مساعديه داخل مطعم في برلين. ثم جاء عام 1994 بتفجير مركز يهودي في الأرجنتين خلّف 85 قتيلاً. وفي 1996 استُهدف مجمع سكني للقوات الأميركية في السعودية، وسقط 19 جندياً أميركياً.
الغرب اتّهم إيران بالوقوف خلف هذه الهجمات، وإيران تمسّكت بنفي أي علاقة. لكن نقطة التحول داخل إيران لم تكن أمنية فقط—بل سياسية أيضاً: عام 1997 فاز محمد خاتمي، المرشح الإصلاحي، فوزاً ساحقاً عبّر عن رغبة شريحة واسعة من الإيرانيين بالانفتاح على العالم. ومع هذا التحول السياسي، بدأت تغييرات تُطال القيادات العسكرية، في مرحلةٍ كانت تتصاعد فيها تهديدات أخرى على الحدود الشرقية.
تفجّر توتر كبير مع طالبان إثر هجوم الحركة على مدينة مزار شريف، معقل خصوم طالبان المدعومين بالتحالف الشمالي بقيادة أحمد شاه مسعود، والمدعوم بدوره من طهران. وبعد سيطرة طالبان على المدينة، هاجموا القنصلية الإيرانية وقتلوا تسعة دبلوماسيين. غضبت إيران حتى كادت أن تعلن الحرب على أفغانستان، لكن خامنئي اختار ضبط الانفجار: لا حرب… بل تغيير في رأس الجهاز.
اعتبر خامنئي أن “فيلق القدس” بات يحتاج إلى قائد جديد يلائم طبيعة المرحلة: قائد من نوعٍ مختلف. وقع الاختيار على قاسم سليماني—المعروف بولائه للثورة منذ بداياتها، وبحضوره المؤثر خلال الحرب مع العراق. وبعد الحرب، أثبت كفاءة واضحة في تأمين الحدود مع أفغانستان عبر معارك غير نظامية ضد عصابات المخدرات ومقاتلي القبائل. الفرق كان جوهرياً: سليماني لم يكن “رجل مخابرات” بقدر ما كان “قائد ميدان” يتقدم الصفوف، ويُدير المعركة من قلب النار، ما صنع له هالة أسطورية لدى مقاتليه.
مع سليماني توسّع مشروع “الوكلاء” في المنطقة. في العراق لم يتوقف الدعم عند “فيلق بدر”، بل امتدّ إلى رعاية تأسيس “عصائب أهل الحق”، ثم “كتائب حزب الله” مع أبي مهدي المهندس عقب الغزو الأميركي للعراق. لعبت هذه المجموعات دوراً بارزاً في استهداف العربات والدبابات الأميركية بالعبوات الناسفة.
في لبنان نسج سليماني علاقة وثيقة مع السيد حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، ومع القيادي البارز عماد مغنية. هذا “الثالوث” ساهم في تحويل حزب الله إلى قوة عسكرية متماسكة ببنية تحتية ومنظومة دفاع مؤثرة، ظهرت فعاليتها خلال حرب 2006. ولم يكن دور سليماني هناك استشارياً فقط؛ إذ تشير المعطيات إلى أنه سافر إلى لبنان وشارك في إدارة المعارك بنفسه.
في سوريا، عندما بدا نظام بشار الأسد على وشك السقوط، قُدّمت “حماية المراقد الشيعية” بوصفها حجة التدخل تحت شعار “لن تُسبى زينب مرتين”. وفي ظل هذا الشعار جرى تشكيل “لواء فاطميون” من الأفغان الشيعة و”زينبيون” من الباكستانيين، ونُقلوا إلى سوريا للقتال إلى جانب النظام في مواجهة المعارضة.
وسط هذا الضجيج ظلّت الأرقام الرسمية حول حجم فيلق القدس وتطوره شبه غائبة. لكن تقديرات استخباراتية غربية رسمت مساراً رقمياً يُظهر التحول من نخبة صغيرة إلى جهاز واسع:
- في بداياته، عومل الفيلق كقوة نخبة محدودة العدد تدير العمل على الجبهات دون انتشار واسع، حتى إن عدد منتسبيه عام 2000 قُدّر بنحو ألف عنصر فقط.
- عام 2006 قرر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني العمل على زيادة العدد وصولاً إلى 15 ألف عنصر، استجابة لتحديات إقليمية تصدّرها الغزو الأميركي للعراق وأفغانستان.
- لاحقاً أضيف آلاف المقاتلين غير الإيرانيين الذين جرى ضمهم إلى أذرع مختلفة. وقدّر الإسرائيليون عام 2016 أن سوريا وحدها باتت مقراً لنحو 3 آلاف عنصر من فيلق القدس يقودون نحو 8 آلاف مقاتل من حزب الله، و12 ألفاً ضمن لواء فاطميون.
- وبحسب تقديرات غربية أخرى، بلغ الفيلق سنواته الأخيرة عند مستوى “التعبئة القصوى”: نحو 20 ألف ضابط وجندي إيرانيين يشرفون على شبكة ولاء تتجاوز 100 ألف عنصر في المنطقة.
أما طبيعة التسليح، فليست كالجيوش النظامية الثقيلة؛ إذ تشير التقديرات إلى ترسانة تناسب حروب العصابات: متفجرات خارقة للدروع، بنادق كلاشينكوف، قذائف RPG، وبعض منظومات دفاع جوي قصيرة المدى—سلاحٌ “يكفي” لإدارة استنزاف طويل بدل معركة تقليدية سريعة.
مع الوقت تحوّل سليماني إلى نجمٍ ساطع، وتحول فيلق القدس إلى رمز مركزي لسياسة إيران الإقليمية. لكن الشهرة تُراكم أثمانها: الرئيس الأميركي دونالد ترامب رأى أن تحجيم “أنشطة الفيلق الأخطبوطية” لا يتحقق إلا بقطع رأسه المدبر. فجاء اغتيال سليماني مطلع عام 2020، وهو حدث ترك أثره السلبي على الفيلق من حيث القيادة والهيبة والإدارة.
ومع ذلك، لم يُنهِ الاغتيال حضور الفيلق في الساحات الملتهبة. تراجعٌ هنا، إعادة تموضع هناك، لكن الجوهر بقي قائماً: شبكة نفوذ لا يمكن تجاهلها في الشرق الأوسط، لاعبٌ يعبر الحدود بالوكالة، ويعيد تعريف معنى القوة حين تصبح “التنظيمات” والولاءات جزءاً من الجغرافيا السياسية نفسها، لا مجرد أدوات طارئة عليها.


