الوقت كان هو الخصم الحقيقي. لا إيران. ولا أميركا. ساعة ترامب كانت معلّقة فوق الطاولة. سقف زمني مُعلن. وابتزاز سياسي مغلف بورقة تفاوض. لذلك كان المطلوب استنزاف اليوم حتى آخره. لا أحد يريد أن يُغلق جلسة طويلة بلا “إطار”. لأن نهاية بلا إطار تعني شيئاً واحداً: انهيار المسار، وعودة المنطقة إلى وضعية الإنذار.


التسريبات خرجت متصلّبة. متشنجة. متناقضة. أحياناً كأنها تُكتب لإحراق الجلسة لا لإنقاذها. ومع ذلك، بقيت الأعصاب مربوطة. لأن الجميع يعرف: التفاوض هنا يجري على حافة حرب. حرب يقول الطرفان إنهما لا يريدانها. حرب لا يبدو أنها مطلوبة بإصرار إلا من إسرائيل. ومع هذا… يمكن أن تشتعل في أي لحظة. هذه هي مفارقة “مفاوضات ما قبل الضربة”: لا رغبة معلنة بالحرب، لكن كل هندسة الضغط مبنية على إمكانية وقوعها.


وهذا التناقض لم يبقَ داخل القاعة. تسرّب إلى الإقليم. دول الجوار راحت تتأرجح قراءاتها بين احتمال اتفاق وبين منطق “المواجهة شبه الحتمية”. لأن من يقرأ تسريبات واشنطن يسمع خطاب تفكيك. ومن يقرأ إشارات طهران يسمع خطاب مقايضة. وبين التفكيك والمقايضة، مساحة سوء فهم قاتلة.


حتى شكل الجلسات كان يفضح حجم التوتر. بدأوا بتفاوض غير مباشر. ثم دخل عامل الوكالة الدولية للطاقة الذرية كأن الملف لا يمكن تثبيته من دون “قفل تقني” يحمل توقيع الرقابة الدولية. ثم ظهرت لحظة النهار الأوضح: لقاء جمع ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. ليس للاحتفال بتقدم. بل لتوجيه رسالة باردة: المسار الجاري لا يبدو إيجابياً، بل “مخيّب للآمال”. مساءً تبدّلت القنوات مرة أخرى. تواصل مباشر بين عراقجي وويتكوف. أخذٌ وردّ. ثم تراجع كل طرف إلى إدارته لمراجعة الخيارات. الجلسة الواحدة تحولت إلى جولات داخل اليوم نفسه. لأن القرار لا يُطبخ في القاعة وحدها، بل في غرف القرار خلفها.


في واجهة التسريبات، بدت الهوة واسعة. إيران تُلمّح إلى معادلة بسيطة: “نووي فقط” مقابل رفع العقوبات. والولايات المتحدة تُلوّح بسقف قاسٍ: تفكيك مواقع تخصيب، ثم فتح ملف الصواريخ، وكأن المطلوب ليس اتفاقاً بل إعادة هندسة القوة الإيرانية. لكن خلف الضجيج، تقول مصادر متابعة إن المفاوضات—كما في الجولات السابقة—لم تكن نووية فقط. كانت كل الملفات على الطاولة. مع ترتيب سياسي في الأولويات: اتفاق أولي في المرحلة الأولى حول النووي، ثم انتقال لاحق إلى الملفات الأخرى. هذا هو الفارق بين ما يُسرَّب للتفاوض… وما يُدار فعلياً لإنقاذه.


ومع كل الاستنفار الإعلامي والعسكري، كان هناك قاسم مشترك غير مُعلن بوضوح لكنه حاضر في السلوك: الطرفان يريدان تجنّب الحرب. لهذا لم ينسحب أحد. لهذا بقيت الجلسات مفتوحة حتى النهاية. ولهذا أصر الإيرانيون، في جولة المساء الثالثة، على شيء محدد: إن تعذّر الاتفاق النهائي الآن، فليخرجوا على الأقل بـ“اتفاق إطار”. هي نقطة حياة للمسار. لا أكثر.


منطق طهران يبدأ من العقوبات لا من أجهزة الطرد المركزي. النووي عندها ليس “ملفاً” منفصلاً عن الاقتصاد. هو مفتاح الأكسجين. لذلك هي تريد ربط أي تنازل نووي بموافقة أميركية واضحة على رفع العقوبات، وبنقاش عملي حول آليات الرفع لا بشعاراته. وتحديداً: رفع العقوبات التي فُرضت بسبب الإصرار على المضي في البرنامج. لأن رفع هذا النوع من العقوبات يفتح الأسواق مجدداً أمام النفط الإيراني. ثم يأتي الشرط المالي الذي تعتبره طهران جوهرياً: العودة إلى نظام “سويفت” والسماح بالتحويلات، لأن الأموال المجمّدة في المصارف العالمية تُقدّر بنحو 120 مليار دولار وتريد إيران استعادتها. وفوق ذلك، هناك واقع تجاري ضخم: نحو 200 مليون برميل “عائمة” في بواخر، تريد طهران أن تتمكن من بيعها في السوق بدل أن تبقى رهينة الحظر.


في الملف النووي نفسه، ترسم إيران خطوطاً حمراء واضحة. “تصفير التخصيب” مرفوض. نهائياً. ما يمكن التفكير فيه هو توقف مؤقت للتخصيب مرتبط بزمن محدد، مثل فترة ترميم منشآت. ثم العودة لاحقاً إلى التخصيب داخل الأراضي الإيرانية بنسبة منخفضة—طرحت 3.6%—تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. والأكثر دلالة أنها لا تمانع، وفق التصور المطروح، أن تكون هناك صيغة إشراف أوسع عبر كونسورتيوم دولي، حتى لو شاركت فيه الولايات المتحدة. طهران هنا تحاول تصنيع “ضمانة” بدل تقديم “تنازل وجودي”.


أما مخزون اليورانيوم الأعلى تخصيباً، فإيران لا تريد إخراجه من البلاد. تطرح بديلاً: خفض نسبة تخصيب هذه الكميات. “تدوير المشكلة” بدل ترحيلها. بعض الوسطاء فتح باباً آخر: شراء هذا المخزون، بما يعيد الترتيبات إلى روح ما كان مطروحاً في اتفاق 2015. ومع تذكير لا يغيب: منذ انسحاب ترامب من الاتفاق في 2018 توقفت ترتيبات أميركية كانت قائمة، ومنها شراء اليورانيوم الإيراني.


واشنطن، من جهتها، تريد اتفاقاً يمنع الخطر لا يراقبه فقط. لذلك تتمسك بعنوان شديد: وقف التخصيب. ثم نقل المخزون المخصب إلى خارج إيران. طُرح أن يذهب إلى الولايات المتحدة نفسها، مع قبول خيار روسيا كمخرج بديل أقل استفزازاً في الشكل. وبعدها يأتي البند الذي يرفض الإيرانيون إدخاله في النص النووي: الصواريخ البالستية. الأميركيون يطرحون هذا الملف في كل الجولات تقريباً. لأنهم يريدون أن تكون التسوية أوسع من النووي. بينما طهران ترفض إدخال الصواريخ ضمن اتفاق نووي، وتصر على تجزئة الملفات: نووي أولاً، ثم الحديث لاحقاً في الملفات الأخرى. وتؤكد مصادر متابعة أن إيران ترفض التفتيش الدولي على برنامجها الصاروخي، لكنها تُظهر استعداداً لوضع سقف: خفض مدى الصواريخ إلى أقل من 2000 كلم.


هنا تتقدم إسرائيل إلى قلب المشهد. بالنسبة إلى تل أبيب، الصواريخ ليست بنداً ثانوياً. هي “المشكلة الأكبر”. لأنها تمثل قدرة ردع إيرانية مباشرة. ولذلك ترفض إسرائيل أي صيغة تبقي هذا البرنامج قائماً، وتسعى إلى تدميره. في المقابل، تحاول طهران تقديم مخرج مختلف: تفاهمات إقليمية مع دول المنطقة حول برنامجها الصاروخي، وتقديم الصواريخ كقوة دفاعية لا هجومية، مع تعهدات تتصل بإرساء الاستقرار. لكن هذا الخطاب يصطدم بمنطق إسرائيلي لا يهتم بالتعهدات بقدر ما يهتم بإزالة القدرة.


وفي الخلفية، يوجد صراع “صورة” لا يقل أهمية عن صراع البنود. إيران تريد تنازلات لا تبدو استسلاماً، لأن الاستسلام يهدد الداخل ويكسر منطق الردع. وترامب يريد اتفاقاً يمكن تسويقه كصورة إذعان، ليقول إنه انتزع أهدافه من دون حرب. لهذا بالضبط طُرحت أفكار أكبر من النووي: تعاون اقتصادي، استثمارات أميركية في إيران إذا رُفعت العقوبات، وإعادة طرح فكرة “معاهدة عدم اعتداء”. هذه ليست رومانسية دبلوماسية. هذه أدوات لتغليف اتفاق شديد القسوة بحيث يخرج كل طرف بوجه “قوي”.


لكن واشنطن كانت، بالتوازي، ترفع ضغطها العسكري. تعزيز قوات. تكثيف رسائل القوة. واللافت أن الإدارة الأميركية نفسها ليست على رأي واحد: هناك من يرى ضربة محدودة هدفها دفع إيران إلى الرضوخ. وهناك من يتحدث عن عملية واسعة قد تقود إلى إسقاط النظام أو إدخال المنطقة في مواجهة طويلة. مجرد وجود هذا الانقسام يجعل التفاوض أكثر خطورة، لأن الخصم لا يعرف هل التهديد ورقة ضغط… أم مقدمة تنفيذ.


الجولة الثالثة انتهت بإعلان عُماني عن “تقدم”. وتقرّر أن يتشاور الوفدان في بلديهما، وأن يكون الاجتماع التالي في فيينا على مستوى تقني. وهذا تفصيل له معنى كبير: الانتقال إلى طبقة التنفيذ. أي الدخول في تفاصيل أجهزة الطرد المركزي، مستويات الخفض المطلوبة، وآليات الرقابة التي ستعتمدها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. مصادر إيرانية تقول إن ما حصل إيجابي ويمكن البناء عليه… “إلا إذا كانت هناك نوايا مبيتة”. وتؤكد في الوقت نفسه ثوابت طهران: التخصيب داخل إيران باقٍ. واليورانيوم المخصب لن يُسلَّم للخارج.


من هنا بدأت مرحلة “حبس الأنفاس”. لا أحد يستطيع الحسم قبل الجولة المقبلة. إسرائيل تدفع باتجاه عمل عسكري فور تعثر المسار، خصوصاً إذا بقي ملف الصواريخ بلا اختراق. دول الجوار اتخذت احتياطاتها. ولبنان تلقّى بدوره رسائل ونصائح واضحة: اضبط أرضك. لا تسمح بانخراط حزب الله. لأن أي توسع سيقود إلى تداعيات تدميرية على البنى التحتية المدنية. وفي قراءة لبنانية موازية، بدا غياب الوفد العسكري الإسرائيلي عن اجتماع لجنة “الميكانيزم” إشارة سلبية: كأنها رسالة تعطيل للتفاوض أو تمهيد لرفع مستوى العمليات ضد الحزب. ومع التصعيد المتدرج في البقاع، يتضخم الاحتمال الأخطر: إذا اندلعت الحرب، سيكون التركيز الإسرائيلي في الغارات على البقاع باعتباره منطقة يُعتقد أنها تضم مخزوناً صاروخياً كبيراً.


هذه ليست قصة تفاوض نووي فقط. هذا تفاوض على شكل الردع في المنطقة. وعلى هوية “اليوم التالي”. وعلى طريقة إدارة الزمن عندما يتحول إلى سلاح. ترامب وضع مهلة. والمهلة في الدبلوماسية ليست دائماً أداة تسريع… قد تكون أداة تفجير. وإسرائيل تراهن على لحظة فشل لتفتح باب الضربة. وإيران تراهن على إطار يحمي حقها ويكسر الحصار. وبين الرهانين، المنطقة كلها معلّقة… على “اتفاق إطار” أو “ضربة بلا إنذار”.