في العام 1994، زار الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش دمشق، مدينة التاريخ والعراقة والعروبة، بعد أن ضجت روحه بموجات الغضب على مسار السياسة الفلسطينية. كان قد استقال من عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير احتجاجًا على "اتفاق أوسلو"، وترك خلفه ذلك العالم السياسي المثقل بالخذلان، قافلًا إلى باريس حيث وجد ملاذه الأدبي. في تلك اللحظة، تبددت علاقته بياسر عرفات، الذي أدمته كلمات خطاب الاستقالة الجارح.
في دمشق، دعته السياسة إلى لقاء الرئيس حافظ الأسد. لم يكن في وسعه رفض الدعوة، فالحياة في الشرق العربي قد علمته أن السياسة في كثير من الأحيان تتحدث بصوت الأقوياء. هناك، قضى الأسد ساعات طويلة يسبر أغوار موازين القوى في الشرق الأوسط. تحدث بلهجة الممسك بخيوط اللعبة، تاركًا ضيفه في خضم تحليل سياسي لا ينتهي. ومع انقضاء الساعات، فهم درويش أن المهمة قد انتهت، فطلب الإذن بالانصراف.
لكن على أعتاب القصر، حيث وقفت سيارة المراسم بانتظاره، حدث ما لم يكن في الحسبان. استوقفه الأسد بعبارة بدا وكأنها محور اللقاء بأكمله: "أستاذ محمود، أنت في سوريا بين أهلك، وفي وطنك، يمكن أن تقيم هنا كما تشاء، ومتى تشاء."
تلك الكلمات التي نطق بها الأسد لم تكن دعوة عابرة؛ بل كانت محاولة لقراءة خلاف محمود درويش مع ياسر عرفات وتوظيفه في سياق سياسي أكبر. درويش، بحدسه الشعري الحاد، أدرك المعنى الخفي خلف الدعوة، وفهم أن اللقاء لم يكن إلا غطاءً لتلك اللحظة عند باب القصر.
عاد درويش إلى الفندق مثقلًا بتأملات عميقة. غيّر تذكرة عودته لتصبح دمشق ـ تونس ـ باريس. كان قراره واضحًا؛ قبل أن يعود إلى منفاه الشعري في باريس، كان عليه أن يعيد وصل ما انقطع مع ياسر عرفات.
وفي تونس، دخل درويش مكتب الرئيس الفلسطيني دون مقدمات قائلاً: "جيت أصالحك.
كانت تلك العبارة البسيطة جسرًا أعاد دفء العلاقة بين الشاعر وزعيمه السياسي. وفي تلك اللحظة، لم يكن درويش شاعر القضية فقط، بل كان أيضًا صانعًا للحكمة، مؤمنًا بأن القضايا الكبرى لا تُدار بالعواطف الجريحة، بل بالوعي العميق للتاريخ والمصير.
بين الشعر والسياسة
تلك الحكاية تجسد جزءًا من عبقرية محمود درويش، الذي ظل يدرك أن موقع الشاعر ليس على هامش التاريخ، ولكنه أيضًا ليس أداة في أيدي اللاعبين الكبار. في تلك اللحظة، لم يتخلَّ عن قضيته، ولكنه أيضًا لم يسمح بأن يُستغل كرقم في معادلة سياسية.
درويش، الذي لطالما كانت كلماته تعبر عن نبض الأمة والقضية، اختار أن يبقى في موقعه الحر، مستقلًا عن كل ضغط، ومخلصًا لقيمه التي لطالما شكلت جوهر شعره وسياسته معًا.
دمشق حاولت استمالة الشاعر، وتونس استعادته كابن تائب. أما باريس، فقد بقيت شاهدة على عزلته الكبرى، تلك العزلة التي جعلت منه صوتًا حرًا يعلو فوق أصوات السياسة وصراعاتها.


