تشير التقديرات الأولية الى ان حرائق غابات "لوس أنجلوس" هي واهدة من اكبر الكوارث تكلفة في تاريخ الولايات المتحدة، في منطقة تحتوي على أغلى العقارات. وقدرت الخسائر بأكثر من 150 مليار دولار.
في يومٍ حارٍ جافٍ، اختلطت فيه السماء بدخان أسود كثيف، واشتعلت الأرض تحت أقدام سكان لوس أنجلوس. فامتدّت ألسنة النار إلى أفق المدينة. توغّلت بلا رحمة في أحيائها وشوارعها. لم يكن المشهد عابرًا من فيلم هوليوودي. بل إنه حقيقة مرعبة تجسدت في لحظات. هكذا كان الأمر. وكأنّ أبواب الجحيم قد فُتحت على مصراعيها. التهمت كل ما اعترض طريقها من مبانٍ، أشجار، وسيارات، دون أية اعتبارات.
كل دقيقة كانت تمر لتترك خلفها المزيد من الدمار والخسائر.
من حريق "باسيفيك باليساديس" الذي التهم 29,000 فدان ودمر آلاف المنازل، إلى حريق "إيتون" الذي لم يُبقِ شيئًا في غابات أنجلوس الوطنية. تلك الحرائق التي قُدرت خسائرها بأكثر من 150 مليار دولار، لم تكن فقط دمارًا ماديًا، بل تمثل في الصدمة النفسية التي عاشها سكان تلك الأحياء، الذين كانوا يستيقظون على صوت صفارات الإنذار ويدركون أن عليهم مغادرة منازلهم في أسرع وقت، أو مواجهة المجهول.
تأثير الحرائق لم يتوقف عند الأضرار المباشرة فقط، بل انعكس بشكل كارثي على البيئة، الاقتصاد، والبنية التحتية للمدينة. لقد أدى ذلك إلى قطع طرق رئيسية، تعطيل الحياة اليومية، ونزوح أكثر من 200,000 شخص، فيما توالت الاعتذارات من السلطات المحلية بعد إرسال إنذارات إخلاء خاطئة للملايين، ما أحدث موجة من الهلع غير المبرر.
في غمرة هذه الكارثة، كان رجال الإطفاء في سباق مع الزمن. تحديات كبرى كانت تواجههم، من الجفاف الحاد في خطوط المياه، إلى هبوب الرياح العاتية التي منعت طائرات الإطفاء من التحليق. كابتن كيفن إيستون، أحد القادة الميدانيين في مكافحة الحريق، أشار إلى أنهم وجدوا أنفسهم في موقف أشبه بفرسان بلا سيوف، حيث بدأت شبكات المياه بالجفاف فجأة وسط عمليات الإطفاء، مما جعلهم يعانون من نقص في الإمدادات الحيوية لإخماد النيران.
كل هذا جاء بالتزامن مع تصريحات الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي وصف هذه الحرائق بأنها "الأكبر والأكثر تدميرًا في تاريخ كاليفورنيا". وبالفعل، فإن هذه الكارثة باتت تمثل تحديًا ليس فقط على مستوى الدولة، بل على مستوى العالم. فقد أظهرت هذه الحرائق هشاشة البنية التحتية للمدينة، وتعرض النظام البيئي لمزيد من الضغوط بسبب التغيرات المناخية.
ومع ذلك، تظل الحقيقة المؤلمة أن هذه الحرائق، رغم كونها كارثة في حد ذاتها، ليست سوى نذير لما قد يكون قادمًا. التغير المناخي، الذي بات حقيقة واضحة وملموسة، يزيد من فرص اندلاع حرائق الغابات بشكل متكرر وأكثر ضراوة. وما حدث في لوس أنجلوس ليس سوى حلقة في سلسلة من الكوارث البيئية التي تواجهها الولايات المتحدة والعالم ككل.
الأمر الذي يزيد الموقف تعقيدًا هو نقص الاستعدادات لمواجهة هذه الكوارث، سواء على مستوى البنية التحتية أو نظام التأمين، حيث تشير التقارير إلى أن الكثير من شركات التأمين لم تكن مستعدة لهذه الكارثة. من المتوقع أن تتضاعف أقساط التأمين بعد هذه الحادثة، فيما يُتوقع أن يواجه أصحاب العقارات والمستثمرون صعوبات كبيرة في التأمين على ممتلكاتهم في المستقبل.
وبينما تعمل فرق الإطفاء على السيطرة على النيران، تتجه الأنظار إلى الآثار الطويلة المدى لهذه الحرائق. فالخسائر الاقتصادية قد تفوق كل التوقعات، وليس فقط بسبب الدمار المادي، بل لأن إعادة الإعمار واستعادة الحياة إلى طبيعتها ستستغرق سنوات وربما عقودًا.
لوس أنجلوس، المدينة التي لطالما كانت رمزًا للحلم الأمريكي، وجدت نفسها في لحظة فارقة من تاريخها، حيث تواجه اختبارًا صعبًا يعيد صياغة أولوياتها وطرق تعاملها مع الأزمات المستقبلية. ومع كل تحدٍ جديد، يظهر جليًا أن العالم بحاجة إلى تفكير مختلف، وتصميم بنية تحتية قادرة على مواجهة تغيرات المناخ المتسارعة.
في حديث خاص لجريدة "الخبر" وصف الكوميدي اللبناني الامريكي نمر بو نصار المشهد في كليفورنيا قائلاً: "الأمر هنا مرعب جدا لكنه يذكرني بلبنان. فرغم الخوف الذي نعيشه لكن العالم تكمل حياتها بشكل طبيعي وتذهب الى عملها وأرزاقها." ويضيف: "الهواء كان قوي جدا وجميع الأشجار جافة ومد الحريق بشكل مرعب وسريع وكبير جدا والجو الجاف ملائم جدا للحريق." ويكمل: "جهنم فُتحت علينا وهناك من استفاد من الوضع ليفتعل ويكبر الحرائق."
يتابع نصار: "انا وزوجتي تركنا منزلنا لليلة وعدنا لأننا قريبين جدا من هوليوود هيلز. لكن الناس ما زالت في منازلها برغم الضرر الكبير لأن ليس لديها مأوى تقصده."
ويضيف نصار"نحن نراقب التطبيق الخاص بالحرائق استعداداً للهروب في حال اقتربت الحرائق منا. فعلا الوضع مأساوي."
هذا ويقول نصار: "الهواء خف قليلا، ما ساعد فرق الاطفاء نوعا ما بالسيطرة على الحريق لكن الوضع ما زال صعب جدا خصوصاً وأنّ منازل الطبقة الغنية والمشاهير أكثر ما تضرّر هنا. انها المرة الاولى التي يندلع فيها هكذا حريق بهذا الشكل المرعب، من دون إمكانية السيطرة عليه بسبب الطقس والهواء. لذا، من المتوقع أن يتم العمل على نظام جديد للوقاية من كوارث بهذا الحجم."
أمام كارثة بهذا الحجم، هل تتحرك الإدارة الأميركية وتضع خطط جدية للتعامل مع التغير المناخي؟


