يعاني لبنان أزمة مائية غير مسبوقة. لم تشهد البلاد تساقطات معتبرة للأمطار أو الثلوج وفقاً للمعدلات التي كانت تُسجّل خلال فصل الشتاء. عادةً ما تتساقط الثلوج على ارتفاعات تتراوح بين 2000 و4000 متر خلال هذه الفترة. ويُعتبر هذا الموسم من بين أقل ثمانية مواسم تساقطًا للأمطار منذ ثمانين عامًا، حيث بلغت كمية الأمطار في كانون الثاني حوالي 15 ملم فقط، مقارنةً بالمعدل المعتاد الذي يصل إلى 190 ملم.

تشير التوقعات إلى أن لبنان مُقبل على أزمة مياه، حيث سيتضرر الجميع من هذه الأزمة، وعلى رأسهم القطاع السياحي في المناطق التي تعتمد على نشاطات التزلج والسياحة الشتوية. وتُعتبر هذه السنة كارثية على الموسم السياحي في المناطق الجبلية بسبب قلة الثلوج. من جهة أخرى، سيشهد القطاع الزراعي تراجعًا كبيرًا بسبب الجفاف وانخفاض كميات الأمطار، حيث أصبحت البرك التي تُستخدم لتخزين المياه وري المزروعات جافة تقريبًا.

ويتوقع خبراء المناخ أن يشعر المواطنون بنقص حاد في مياه الشرب في جميع أنحاء لبنان مع قدوم فصل الربيع والصيف، ما سيدفع الكثيرين لشراء المياه لسد احتياجاتهم. فهل يُمكن أن يتحول هذا العام الاستثنائي إلى قاعدة مستمرة في السنوات المقبلة؟

يرى وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال، د. عباس حاج حسن، في اتصال خاص مع "الخبر"، أن للنقص الكبير في تساقط الأمطار هذا العام دور سلبي على القطاع الزراعي. وسيساهم في تراجع الإنتاجية الزراعية بشكل ملحوظ خلال هذا الموسم، مشيرًا إلى أن التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة تؤثر بشكل كبير على المنطقة، ومن ضمنها لبنان، حيث تأخر هطول الأمطار بشكل غير مسبوق. وبحسب التقديرات ان يكون هناك شتاء طويل ابعد من شهر اذار/مارس المقبل".

ويضيف حاج حسن "لقد أطلقنا منذ 4 سنوات مشروعًا لحصاد مياه الأمطار، وهو مشروع البرك الجبلية والشتوية الذي يُعتبر من المشاريع المفيدة جدًا للقطاع الزراعي، وقد يساعد هذا المشروع في زيادة المساحات المزروعة والمروية، خصوصاً في ظل تراجع كميات الأمطار".

وفيما يتعلق بالاستراتيجيات التي وضعتها الوزارة لتأمين مياه الري، يوضح حاج حسن أن "وزارة الزراعة تعمل بالتعاون مع عدة جهات دولية ضمن استراتيجيات طويلة الأمد، تشمل توزيع خزانات مياه وشبكات ري للمزارعين في مختلف المناطق اللبنانية، بهدف دعم المزارعين الصغار ومساعدتهم في مواجهة التغيرات المناخية".

وعن مدى استعداد الحكومة اللبنانية لدعم المزارعين، يؤكد الوزير أن "الحكومة لطالما وقفت إلى جانب المزارعين، وأن هناك مشاريع مستدامة بالتعاون مع "المشروع الأخضر" وجهات دولية أخرى تهدف إلى مساعدة المزارعين على الاستمرار في مواجهة التحديات التي فرضها التغير المناخي. كما أن الوزارة اليوم بصدد مسح للأراضي الزراعية التي تعرضت للعدوان الاسرائيلي وهذا المسح يستهدف كل الاراضي اللبنانيّة وبالتالي يتم التوجه الى تكوين داتا في وزاره الزراعة الى الهيئات المانحة عبر الحكومة اللبنانية من خلال الوزارة لمساعدة مزارعين بمختلف المناطق ومختلف الاتجاهات الزراعية ان كان القطاع النباتي أو القطاع الحيواني".

وفيما يخص إعادة تأهيل السدود أو بناء برك جديدة لتخزين مياه الأمطار، يوضح حاج حسن أن "هذه المهام تقع تحت مسؤولية وزارة الطاقة، لكن وزارة الزراعة مستمرة في دعم البرك الجبلية التي تم تدشينها وصيانتها، والتي تُعتبر داعمًا أساسيًا للقطاع الزراعي اللبناني، وتسهم في تثبيت المزارعين في أراضيهم وتعزيز الاقتصاد الزراعي". 

وفيما يبدي حاج حسن تفاؤله بأن "الأوضاع قد تتحسن مع قدوم العواصف المطرية والثلجية المتوقعة"، يشير الى أن "النسبة الحالية للأمطار مقبولة، وأن شهر شباط قد يشهد تعويضًا عن النقص الذي حصل في الأشهر الماضية، ما يعطي أملًا بتحسن الوضع المائي والزراعي في الأيام المقبلة".

من ناحية أخرى، يشرح مدير عام الأرصاد الجوّية، مارك وهيبي، لـ "الخبر" أنه "بناءً على إحصاءات الـ75 سنة الماضية، تعتبر هذه السنة الثالثة من حيث سوء كمية الأمطار. وكانت بداية كانون الثاني، في المرتبة 17 في السنوات التي شهدت نقصًا في الأمطار. أما منتصف كانون الثاني، فاحتل المرتبة 11. الوضع حتى بداية كانون الثاني لم يكن غريباً جداً. ولكن مع مرور كانون الثاني وبداية شباط، بدأت نتائج هذه السنة تبرز أكثر. فمن منتصف كانون الثاني، لم تسجل أمطار تُذكر، مما جعل هذه السنة واحدة من الأسوأ من حيث نسب هطول الأمطار".

ويضيف وهيبي ان"في بيروت على سبيل المثال، عادةً ما يكون متوسط هطول الأمطار في كانون الثاني حوالي 180 ميليمتر. لكن هذا العام، سجلنا حوالي 18.5 ميليمتر فقط، أي ما يعادل 10٪ فقط من المعدل الطبيعي. وإذا نظرنا إلى مجمل السنة المطرية حتى نهاية كانون الثاني، كان يجب أن يكون المعدل في بيروت حوالي 500 ميليمتر، لكن الكمية الفعلية التي هطلت كانت أقل من 50٪، مما يعني أن العجز في الأمطار كبير جداً".

ويتابع وهيبي أنه "بالنسبة الى الأمطار التي هطلت مؤخرًا، سجلنا حوالى 30 ميليمتر، ومن صباح اليوم حتى اللحظة، وصلت الكمية إلى حوالي 17 ميليمتر إضافية. هذا هو الوضع الحالي لهطول الأمطار، ونحن ننتظر لنرى ما إذا كان شباط سيعوض عن هذا النقص أم لا".