لم تعُد الزراعة مجرّد مهنة متوارثة أو قطاعٍ إنتاجي يرفد السوق المحلية، بل تحوّلت إلى مساحة متشابكة من التحديات البيئية والصحية، حيث تتقاطع المصالح التجارية مع غياب الرقابة، وتتراجع الأولويات الوطنية أمام ضغوط الشركات الكبرى. في هذا السياق، تتسلّل المبيدات الحشرية والأسمدة الكيميائية إلى دورة الحياة الزراعية، مسبّبةً أضرارًا مركّبة تبدأ من التربة ولا تنتهي عند صحة الإنسان.

يسلّط هذا المقال الضوء على واقعٍ زراعي مأزوم، يكشفه المهندس الزراعي هادي مسلماني، مركّزاً على مفارقات تُهدّد الأمن الغذائي، وتطرح أسئلة ملحّة حول مصير الزراعة بين العلم والربح، وبين الصمت والنجاة.


تُعتبر الزراعة العضوية والتوجّه نحو استهلاك غذاء صحي وآمن من أبرز التحديات التي يواجهها القطاع الزراعي في لبنان. ومع تصاعد القلق حول تأثيرات المبيدات الحشرية والأسمدة الكيميائية التي تؤدي إلى خلل في الميزان الغذائي. 
 في حديثه لجريدة "الخبر"، يوضح مسلماني أن "المشكلة مزدوجة وتتعلق بالمواد الكيميائية والمبيدات الحشرية على حدّ سواء". ويقول إن "هذه المواد تُشكّل خطرًا كبيرًا على النباتات والبيئة الغذائية، وخاصة الخضار والفواكه التي نستهلكها يوميًا".


المبيدات الحشرية: أساليب غير قانونية وتأثيرات مدمّرة

 يوضح مسلماني أن "استخدام المبيدات الحشرية في لبنان يتم بشكل عشوائي وغير مدروس. العديد من المبيدات الممنوعة دوليًا لا تزال تُستخدم وتُهرّب عبر الحدود من سوريا. ومن بين هذه المبيدات: الديمتوات، الميتوميل، الباراكوات، المونوكروتوفوس، والسيبرمترين. وتُعتبر هذه المواد محظورة عالميًا لأنها صعبة التحلل وتحتوي على تركيبات معقّدة. في البيئات النظيفة، من المفترض أن تتحلل هذه المواد بعد رشّها لتعود إلى عناصرها الأساسية ولا تترك أي أثر ضار. إلا أن العديد من المبيدات المستخدمة في لبنان لا تتحلل، ما يؤدي إلى تراكمها في التربة والمياه".

ويشير مسلماني إلى أن "الاستخدام العشوائي للمبيدات يساهم في إنتاج سلالات مقاومة من الحشرات يصعب السيطرة عليها، مما يُجبر المزارعين على استخدام المزيد من المواد الكيميائية. إلى جانب ذلك، هناك العديد من الأعداء الطبيعيين للحشرات، مثل الخنافس، التي اختفت بسبب الاستخدام غير المدروس للمبيدات، ما يزيد من اختلال التوازن البيئي".


المبيدات العضوية: مرفوضة من الشركات الكبرى

 في ظل هذه التحديات، اتجه العديد من دول العالم نحو الزراعة العضوية كحلّ مستدام. ومع ذلك، يقول مسلماني إن "المبيدات العضوية تواجه معارضة شرسة من الشركات الكبرى التي تخشى على مصالحها الاقتصادية. فإذا انتقلت الزراعة إلى الأنظمة العضوية، فإن منتجات الشركات من المبيدات الكيميائية لن تجد سوقًا لتصريفها، وهذا ما يجعل هذه الشركات تضغط لفرض استمرار استخدام المواد الكيميائية الضارة".


المواد الكيميائية: تسمّم التربة والمياه

 المشكلة لا تقتصر على المبيدات الحشرية فقط، فهناك أيضًا المواد الكيميائية المُضافة إلى التربة، والتي تُستخدم دون إجراء تحليلات للتربة. شركات الكيماويات هي التي تحدد كميات المواد المضافة، وليس وفقًا لاحتياجات المزارع، بل حسب الكميات التي ترغب هذه الشركات في تصريفها للتخلص من مخزوناتها.


تأثيرات صحية كارثية

 الأسمدة الكيميائية والمبيدات لا تؤثر فقط على التربة والمياه، بل لها انعكاسات خطيرة على الصحة العامة. فالأسمدة والمبيدات التي تتسرّب إلى المياه الجوفية تُسبب خللاً في التوازن الغذائي وتؤدي إلى انتشار الأمراض المزمنة مثل السرطان. المزارع اللبناني هو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، فهو يستخدم مياهًا ملوثة ويرشّ مبيدات سامة، وفي النهاية يتحمل اللوم دون أن تكون لديه القدرة على تغيير هذه المعادلة.


دور الصيدليات الزراعية: تجارة على حساب الصحة العامة

 يُسلّط مسلماني الضوء أيضًا على دور عدد من الصيدليات الزراعية في لبنان، حيث إن "جزءًا كبيرًا منها لا يراعي قانون الصيدلة الزراعية. تُدار هذه الصيدليات من قبل رجال أعمال لا علاقة لهم بالزراعة، وهمهم الوحيد هو بيع المنتجات دون تقديم أي نصائح علمية حول استخدام المبيدات والأسمدة. وهذا يؤدي إلى استهلاك كميات كبيرة من المواد الكيميائية التي تُلوّث المياه الجوفية وتُسبب في النهاية بانتشار الأمراض المزمنة".


ضعف الرقابة الحكومية: هل الوزارات خارج المعادلة؟

تبدو  وزارة الزراعة بعيدة عن مشهد تنظيم القطاع الزراعي. ووفقًا لمسلماني، فإن "الوزارة سلّمت كل الملفات المتعلقة بالقطاع إلى الشركات الخاصة التي تتحكم في سياساتها، تحديداً الشركات التي تملك حصة كبيرة في الوزارة". ويضيف مسلماني أن "هذه الشركات تتحكم بسياسات الزراعة في لبنان وتروّج للمبيدات والأسمدة الكيميائية تحت مظلة المحاصصة.هكذا، باتت استراتيجيات وزارة الزراعة مرتيطة بمصلحة القطاع الخاص على حساب المزارع".


إن استمرار الواقع الزراعي على ما هو عليه، وسط غياب الرقابة وتفكك السياسات العامة، لا يُهدّد قطاعًا بعينه، بل ينسحب أثره على الأمن الغذائي والصحة العامة، وعلى مستقبل العلاقة بين الإنسان وبيئته. فالمبيدات المحظورة، والأسمدة العشوائية، والمصالح المتشابكة، ليست مجرد تفصيل تقني، بل هي وجه آخر لأزمة وطنية تُدار بلا رؤية.
 في مواجهة هذا المشهد، يصبح التحوّل نحو الزراعة العضوية خيارًا لا ترفًا، واستعادة الدور التنظيمي للدولة ضرورة لا شعارًا. وحده الوعي، المترافق مع ضغط المجتمع وخيارات المستهلك، قادر على كسر هذه الحلقة، والعبور بالزراعة اللبنانية من حقول الموت الصامت إلى مساحات الاستدامة والحياة.