إسرائيل قصفت لبنان باليورانيوم. هذه باتت حقيقة قاطعة، برغم كلّ محاولات الإنكار للتغطية على هذه الجريمة من قِبل "محتكري" كل من "المجلس الوطني للبحوث"، و"الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية". هؤلاء رفضوا الإقرار بأن إسرائيل قتلتنا بـ"يورانيوم" أميركي الصنع... لأسباب سياسية. وهؤلاء أيضاً فضّلوا المخاطرة بحياة الناس لمصالحهم الخاصة. 


سنعرض في سلسلة تحقيقات استقصائية - علمية النتائج، ونحلّلها.  


بدأت القصّة عندما استُشهد السيد حسن نصرالله. حجم الانفجار والاختراق، بالإضافة إلى كمّيّة الغازات المنبعثة من مكان الغارة، كان دليلاً أولياً على وجود "ممنوعات" مستخدمة في القنابل الخارقة للتحصينات. المقصود هنا تحديداً "اليورانيوم". 

نقيب الكيميائيين الدكتور جهاد عبود تمكّن من الحصول على عيّنة من موقع الانفجار وأرسلها لتحليلها في فرنسا. وأفاد المختبر الفرنسي بوجود مستويات مرتفعة من اليورانيوم في العيّنة، لكنه رفض تقديم تفاصيل حول درجة التخصيب أو إصدار تقرير رسمي، وعلى الأرجح لأسباب سياسية. ومع ذلك، أصدر الدكتور عبود تقريراً موجزاً حول مسألة التلوّث باليورانيوم.

ولأنّ "الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية" أصرّت على إنكار الحقيقة، قرّرت "الخبر" مع عبود إعداد تحقيق استقصائي لتبيان الحقيقة ووضع كلّ طرف مسؤول أمام واجباته.  


في 19 كانون الأول/ديسمبر 2024، قمنا، مع الدكتور جهاد عبود، نقيب الكيميائيين اللبنانيين، والدكتور روبرت دالي، رئيس مجلس معلومات السلام الأميركي وممثل عن منظمة "غرين أوديت"، بأخذ العيّنات من مواقع عدّة في الضاحية الجنوبية وإرسالها إلى المملكة المتحدة، وتحديداً إلى البروفسور كريستوفر باسبي.   

في هذا السياق، سنعرض "بعض" التحليلات الأوّلية لعيّنات تربة وفلاتر هواء جُمعت من مواقع القصف الإسرائيلي الذي وقع في 27 أيلول/سبتمبر 2024. 

اصطحب الفريق جهاز قياس إشعاع (Geiger Counter) وتبيّن أن الموقع أكثر إشعاعاً من المعدل الطبيعي للإشعاع في المنطقة. 

أحد الترجيحات المطروحة يُشير إلى أن السلاح المستخدم يحتوي على رأس نووي مصغّر يُنتج نيوترونات. وأن الإشعاع قصير الأمد (12 أسبوعاً) ناجم عن تنشيط نووي يتحلّل إشعاعياً خلال أشهر عدّة. هذا التفسير، يؤكد أيضاً الوجود الزائد لليورانيوم الذي تمّ رصده.


العيّنات وإجراءات التحليل


تمّ أخذ عيّنات  من نقاط قريبة جداً من موقع الانفجار، في حين أُخذت أخرى من أحياء تبعد نحو 100 متر عن موقع الضربة. كذلك، تمّ الحصول على فلتر هواء لمحرك سيارة إسعاف من الموقع. أُرسلت العيّنات إلى مختبر البروفسور كريستوفر باسبي "غرين أوديت" (Green Audit) في إنكلترا، حيث خضعت للفحص الإشعاعي باستخدام أدوات كشف عدّة.


الإجراء التحليلي الذي اتّبعه البروفسور باسبي


تمّ توزيع 10 غرامات من كل عيّنة في طبق بتري بلاستيكي قطره 90 ملم، بعمق تقريبي بلغ 2 ملم. ثم وُضعت شريحة بلاستيكية من نوع CR39 بحجم 75 × 25 × 1 ملم، مباشرة على سطح العيّنة. 

تُركت العيّنات في الجهاز لمدة 30 يوماً، ثم أُزيلت الشرائح وتمّ تحميضها باستخدام محلول هيدروكسيد البوتاسيوم لمدة 4 ساعات عند حرارة 80 درجة مئوية. ثم غُسلت الشرائح، وجُفّفت، وتمّ فحصها باستخدام مجهر خاص لفحص المعادن من نوع Vickers.


وقد كشف التحليل وجود جُزيئات مشعّة (Hot Particles).

وُضعت العيّنات على اتصال مباشر مع شرائح CR39لـ30 يوماً.  برزت الجُزيئات الساخنة (Hot Particles)  ضمن البيانات، نظراً إلى أهميتها التحليلية والتشخيصية في تحديد وجود نشاط إشعاعي مركّز.

الاستنتاجات العامة:

أظهرت شرائح CR39 تجمّعات من المسارات الإشعاعية تتجاوز أربعة آثار في كل مجموعة، ما يدعم وجود جُسيمات نشطة من اليورانيوم.

أظهر السطح الخلفي للّوح البلاستيكي (CR39) أيضاً نشاطاً إشعاعياً ناتجاً عن انبعاث غاز الرادون من العيّنة خلال فترة الرصد البالغة 30 يوماً. 

تُشير كثافة المسارات الخاصة بـ "الجُسيمات الساخنة" إلى أنها تتكوّن من أوكسيد اليورانيوم-238/234.


نشاط الجُسيمات المصوَّرة والتأثيرات البيولوجية


استناداً إلى عدد المسارات التي تمّ رصدها خلال 30 يوماً، وإذا تمّ افتراض أن الجُسيمات تتكوّن من أوكسيد اليورانيوم-238/234، فإن حجم الجُسيمات المصوَّرة يُشير إلى ما مفاده بأنّ الجرعات الممتصّة تقع ضمن المدى الذي يُحدث تحوّلات خبيثة وموتاً للخلايا.

ويجب التأكيد على أن ما يُشاهد في صور المسارات هو ما سيحدث فعلياً في الأنسجة البشرية، ممّا يعني أن الجرعة الموجهة إلى الأنسجة الحيوية تفوق بكثير تلك التي قد تحدث طبيعياً.


إعادة تعليق الجُسيمات الساخنة


في هذا التحقيق، تمّ العثور على جُزيئات مُشعّة (جُزيئات ساخنة) من اليورانيوم وترسّبت على شريحة CR39. 

يُثبت هذا التقرير وجود جُزيئات من اليورانيوم المُشعّ (مطلقة لأشعة ألفا) في عيّنات التربة التي جُمعت من موقع القصف الإسرائيلي الذي أدى إلى استشهاد الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله، في بيروت بتاريخ 27 أيلول/سبتمبر 2024. وتدعم هذه النتائج أبحاثاً سابقة صادرة عن منظمة "Green Audit" وغيرها، تُشير إلى استخدام سلاح جديد يوظف اليورانيوم، وربما يحتوي أو يولّد اليورانيوم المخصّب.

إن الانحلالات الإشعاعية الصادرة عن هذه الجُسيمات  التي تقع ضمن النطاق القابل للاستنشاق. والقادرة على إعادة التعليق في الهواء، تؤدي إلى ترسيب طاقي داخل الخلايا المحيطة بمسار أشعة ألفا (4 ميكرونات)، ُتعادل جرعة إشعاعية تقريبية قدرها 200 ميلّي جراي أو 2.4 سيفرت. وهذه الجرعة كافية للتسيبب  بموت الخلايا، أو التسبب بطفرات جينية، أو الإصابة بالسرطان.

لأول مرة، تُظهر النتائج أن مثل هذه الجسيمات المُشعة القابلة للاستنشاق تصبح محمولة في الهواء حتى في غياب الرياح، ويُعاد ترسيبها على أسطح نظيفة.

طبيعة الرأس الحربي المستخدم لا تزال مجهولة، ما لم تُجرَ تحاليل إضافية لنسب النظائر والعناصر المصاحبة في العيّنات. لكن يمكن الجزم بأن السلاح المستخدم احتوى على اليورانيوم وخلّف رواسب من جُسيماته في موقع الانفجار. 

لاحظت منظمة Green Audit تصاعداً في الضغوط الممارسة على المختبرات المستقلة لتقديم نتائج مضلّلة أو منحازة، بل إن العديد من المختبرات ترفض الإفصاح عن النتائج — كما حصل مع الدكتور  جهاد عبود ومختبر" CRIIRAD" الفرنسي، الذي رفض تحليل العيّنات لأسباب سياسية، في حين أكد مختبر فرنسي آخر (لن نذكر اسمه) وجود مستويات مرتفعة من اليورانيوم لكنه امتنع عن تحديد نسبة التخصيب أو إصدار تقرير رسمي، لأسباب أيضاً سياسية.



المهمّ ان إسرائيل استخدمت في حربها على لبنان سلاحاً جديداً، ورؤوساً حربية غير تقليدية. وِفقاً للمعطيات، يُصنّف البروفسور كريستوفر باسبي هذا السلاح بأنه سلاح اندماجي - نيتروني.  فما يقوم به هو إنتاج نيترونات، من شأنها أن تغيّر طبيعة العناصر في التربة، مثل المغنيسيوم، الألمنيوم، الفوسفور، الصوديوم وغيرها. 

هذه الجُسيمات لا تتشكل في الطبيعة ولا توجد في الظروف البيئية العادية. لذا، فوجودها في تربة أو رُسُب عينة معينة يُعدّ دليلاً علمياً مباشراً على حدوث انفجار ناجم عن مادة اليورانيوم. 

ما نعرفه يقيناً هو أن الانفجار خلّف جُسيمات يورانيوم مُشعة صغيرة جداً، وهو أمر لا يحصل إلا في ظل استخدام تكنولوجيا قنابل نووية أو ما يعادلها من الأسلحة ذات التأثير الإشعاعي العالي.

هذه الجسيمات الساخنة تُعدّ أحد أهم الأدلة الجنائية والعلمية لإثبات استخدام إسرائيل لأحد عناصر اليورانيوم الخطير. لذا كان من الضروري التعامل معها بأقصى درجات الجدية نظراً إلى خطورتها البيولوجية والصحية... وهو ما لم يحصل.