وليد سنو
في مثل هذا اليوم قبل 37 سنةً، أطلق أحدهم رصاصةً على المناضل ورسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، في أحد شوارع لندن وأرداه شهيداً. يقال إن اسمه بشارة سمارة، ويقال إسماعيل حسن صوان. لا يهمّ، فهو ليس سوى وسيلة أو أداة. أما الجهة التي تقف خلفه، فلم تُعرَف حتى اللحظة. وثمة اتهامات لأكثر من جهة بالوقوف وراء الأمر.
هناك من يتّهم جهاز الموساد الإسرائيلي، ومن يتّهم المخابرات العراقية، وحتى من يتّهم منظمة التحرير الفلسطينية نفسها. لم يقطع أحد الشكوك هذه بيقين ما وأدلة دامغة، وإن كان المتهم الرئيس في عملية الاغتيال هذه إسرائيل، فهي المستفيد الأكبر منها. لكن اليقين الوحيد وراء هذه الاتهامات كلها، أن العلي لم يهادن بريشته. رسم المشهد كما هو ساخراً وهادفاً في آن. وُلد وعاش واغتيل حرّاً صادقاً ملتزماً بقضيته، لا يماري ولا يهادن ولا يخضع.
سلاحه ريشة
لم يحمل ناجي العلي بندقيةً لتغتاله إسرائيل، ولم يشكّل حزباً أو فصيلاً أو حتى ينخرط في الكفاح المسلّح وإن آمن به. لكنه فعل ما هو أشدّ على إسرائيل وأخطر: حمل ريشةً وراح يرسم هذا العالم معرّياً إياه. أن تحمل بندقيةً وتصوّب على إسرائيل، جرم كبير بالنسبة لها. لكن أن تحمل ريشةً أو قلماً أو فكراً، جرم أكبر. جرم لا يُغتَفَر. لذا تستهدف إسرائيل القامات الفلسطينية الفكرية والثقافية والفنية والأدبية، منذ قيامها، واللائحة تطول: من غسان كنفاني إلى ناجي العلي مروراً بكثيرين: كمال عدوان، أبو يوسف النجار، وائل زعيتر، ابو حسن سلامة ... إلخ.
كان ناجي العلي يدرك هذا الأمر تمام الإدراك. برغم هذا حمل صليبه على ريشته ومضى. لم يتعب ولم يتذمّر ولم يكبر ولم يشِخ. ظلّ حتى لحظة اغتياله ذاك الفتى الفلسطيني المولود عام 1938 في قرية الشجرة الواقعة بين طبريا والناصرة في فلسطين. هُجّر من وطنه عام 1948، إلى لبنان حيث استقرّ في مخيم عين الحلوة، في أقرب نقطة إلى فلسطين اتيحت له الإقامة فيها.
انتقل إلى رسومه
عاش خمسين عاماً وهو في العاشرة من عمره. بقي حتى لحظاته الأخيرة ذاك الطفل الذي هُجّر من بلاده، ولا يزال ينتظر العودة إليها، بعد تحريرها من المحتلين الصهاينة. فهو لم يمت لحظة اغتياله قبل 37 سنةً. لا يزال حيّاً يرسم لفلسطين، وجلّ ما فعله تعديل طفيف في مقر إقامته: انتقل من عالمنا هذا، من بيروت ولندن والكويت عين الحلوة، ليستقر في زاوية رسم فيها فلسطين وفلسطينيين وإسرائيليين وقضايا لا تزال مطروحةً إلى يومنا هذا، وفيها فقراء وأثرياء ومقاومون ومستسلمون... تماماً كما عندنا، في عالمنا، خارج تلك الرسوم.
في سيرته، يختصر ناجي العلي سيرة الفلسطينيين كلهم: وُلد في فلسطين، وهُجّر منها ليتنقّل بين مخيمات الصفيح، وعواصم الوطن العربي والعالم، ثم إلى مصير محتوم حدده شاعر فلسطين الخالد محمود درويش: "إما أميراً وإما أسيراً وإما الردى"...
مرّ ناجي العلي بهذه كلها؛ وُلد أميراً في فلسطين وتنقّل بين السجون الإسرائيلية والعربية وعواصم العالم أسيراً، ثم الردّى بأبهى حلله: الشهادة.
قضية لا تموت
تفتّقت موهبته على جدران السجون والمخيم؛ كان أنّى حلّ وارتحل يرسم فلسطين والفلسطينيين ومأساتهم. في زيارة إلى مخيم عين الحلوة، اكتشف موهبته الأديب والقاص والروائي والصحافي والمناضل الفلسطيني الشهيد أيضاً، غسان كنفاني. قادته رسوم على جدران المخيم إلى ناجي العلي، فاصطحبه معه إلى عالم الصحافة.
أول رسمة نُشرت له في الصحافة، كانت لخيمة تعلو قمتها يد تلوّح، ونشرت في مجلة "الحرية" العدد 88 في 25 أيلول 1961. ثم كرّت السبحة إلى يومنا هذا، حيث لا تزال المواقع الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي وجدران العواصم العربية والمخيمات الفلسطينية وحتى جدران في فلسطين، تعجّ بلوحاته. والأخيرة لا تزال طازجةً كما لو أنها رُسمت للتوّ. لا تزال تنبض بالقضايا التي لم تبارحنا، ولا تزال تشير إلى فلسطين وكأن النكبة وقعت أمس، وكأن نصف قرن من الزمن لم يمرّ.
نظرة فاحصة إلى رسوم ناجي العلي، تدلّ بوضوح على أنها رُسمت للتوّ. رُسمت من غزّة التي تتعرض لعدوان إسرائيلي وحشيّ منذ 11 شهراً، ومن جنوب لبنان الذي لا يزال يقاتل، ومن مخيمات اللجوء التي لا تزال على أهبّة العودة، ومن عواصم العرب التي لا تزال تفتح أبواب سجونها لكلّ حرّ، ومن عواصم العالم التي لا تزال في صفّ إسرائيل.
ونظرة سريعة في الذكرى 37 لاغتيال ناجي العلي إلى قصائد محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد، ورسوم ناجي العلي، وإبداعات إميل حبيبي والياس خوري، وفكر إدوارد سعيد وهشام شرابي، تقول بما لا يثير الشكّ: هيهات تموت قضية عمادها هؤلاء.


