محمد السمرة

 

لا شك في ان اللغة العربية هي من اعظم اللغات على مر العصور وأصعبها، وتمتاز برونق وسحر لا نظير لهما، وتزهو بحروف سحرية تجعلها فريدة بنطقها وكمالها. وكما قال عنها ابن الاثير انها "سيدة اللغات"، والافضل من هذا كله انها لغة القرآن الكريم. 

 

تنتمي العربية إلى اللغات السامية، وهو مصطلح أطلقه عالم اللاهوت الألماني النمساوي شلوتزر في أواخر القرن الـ18 الميلادي للجمع بين اللغات الآرامية والسريانية والجعزية والعربية في مصطلح واحد، واصبح هذا المصطلح مقبولا في اوساط البحث العلمي عالمياً. 

 

يقول ابو الطيب المتنبي: 

" لا بقَوْمي شَرُفْتُ بل شَرُفُوا بي 

وَبنَفْسِي فَخَرْتُ لا بجُدودِي

وبهمْ فَخْرُ كلّ مَنْ نَطَقَ الضّاد

وعَوْذُ الجاني وَغَوْثُ الطّريدِ". 

الملفت في هذه الابيات هو وصف المتنبي بأن العرب وحدهم من ينطقون حرف الضاد وكأنه حكر لهم. انتشر هذا القول انتشاراً واسعاً حتى وصل الى ان اللغة العربية سميت بهذا الحرف، لكن الطريف في الأمر ان المتنبي كان يعلم ان حرف الضاد ليس حكرا على العرب بحسب علماء العصر الحديث، ويرجحون ان المتنبي قال هذا الابيات وهو في سن الثالثة عشر من عمره. 

الا ان حقيقة الامر كانت ان العرب قديماً لم يعيروا حرف الضاد اي اهمية، بل كانوا يجدونه حرفاً عادياً. اذ يقول ابن دريد ان حرف الضاد من ضمن الحروف التي ينطق بها العرب والعجم، وقال نصاً في معجمه (جمهرة اللغة) "وحرف الظاء مقصورةْ على العرب"، كذلك ابن فارس وابن منظور، ويعيد الكلام بخصوصه الفراهيدي، فيعرّفه نقلاً بأنه "حرفٌ عربي خص به لسان العرب لا يشركهم فيه أحدٌ من سائر الأمم". وفي الدورة الخامسة والستين لمؤتمر مجمع اللغة العربية في القاهرة، تقدمت  الدكتورة سلوى ناظم بطلبٍ لتغيير اسم اللغة العربية من لغة الضاد الى لغة الظاء، واننا وقعنا ضحية شاعر مراهق على مدى السنين السابقة. 

الا ان الحرب بين حرفي الضاد والظاء لم تنته بين علماء اللسانيات الى يومنا هذا. فالبعض يقول ان هناك وجه تشابه في نطق الحرفين، وإذا نظرنا اليوم الى بلاد الخليج العربي نرى انهم ينطقون حرف الضاد مثل الظاء، وهذا ما يؤكده جلال الدين السيوطي في كتابه المزهر، فيسرد لنا قصة اعرابي جاء الى عمر بن الخطاب يطلب منه اذنا في ذبح ضبي، فيقول عمر متسائلا عن نوع الحيوان، ليتبين في الاخر انه يقصد الظبي (الغزال)، ويعتذر الاعرابي لعمر قائلا "اسف انها لِغة" بكسر اللام، اي ان هناك اختلافا في اللهجات. ويقول سيبويه في كتابه "الكتاب" ان مخرج الضَّادِ هو: إحدى حافتَيِ اللِّسان أو كلتاهُما مع ما يُحاذيه من الأضراس العليا، بَينما مَخرج الظَّاء هو: من طرف اللسان مع أطراف الثَّنايا العُليا، ولا يصحُّ لنا أن ننطق بِهما بدون تفريق، فهذا خطأ فاحشٌ. 

 

هناك اكثر من اربعين كتاباً منذ القرن الرابع هجرية تناقش فقط مسألة الفرق بين الضاد والظاء، حسبما قال حاتم الضامن في مقدمة تحقيقه لكتاب "الاعتماد في نظائر الضاد والظاء" لابن المالك. 

اما الشيخ شعلة الموصلي الحنبلي، فيرى في كتابه "كنز المعاني في شرح حرز الاماني"، انه لا فرق بين الضاد والظاء الا بزيادة الاستطالة. وغير ذلك كانت احداهما عين الاخرى، ويؤكد ذلك العالم الذي شرح شعر المتنبي ابن جني في كتابه التنبيه، قائلا ان هناك الكثير من العرب لا يفرقون بين الضاد والظاء. 

ومن جهة اخرى، تقول عالمة اللسانيات ماريا هفنر في دراسة لها عن كيفية نطق حرف الضاد انه حرف احتكاكي، اي ان اللسان يجب ان يحتك بالاسنان ليخرج، وتضيف ان حرف الضاد كان موجودا في لغات اخرى منقرضة مثل السبئية والمعينية لأقوام عاشوا قديماً في اليمن. 

 

الاراء تتعدد، لكن الاكيد هو ان هناك فرقا واضحا بين الحرفين كتابةً، وانهما حرفان لا حرف واحد، وهذا ما يعطي للغتنا العربية رونقاً وجاذبية تجعلها فريدة من نوعها، فيقول محمد القاسم بن علي الحريري وهو اكبر الادباء العرب في مطلع قصيدته: 

"ايها السائلي عنِ الضّادِ والظّاء

لكَيْلا تُضِلّهُ الألْفاظُ

إنّ حِفظَ الظّاءات يُغنيكَ فاسمعها 

استِماعَ امرِئٍ لهُ استيقاظُ

هيَ ظَمْياءُ والمظالِمُ والإظْلام 

والظَّلْمُ والظُّبَى واللَّحاظُ

والعَظا والظّليمُ والظبيُ والشّيْظَمُ 

والظّلُّ واللّظى والشّواظُ

والتّظَنّي واللّفْظُ والنّظمُ والتقريظ

والقَيظُ والظّما واللَّماظُ

والحِظا والنّظيرُ والظّئرُ والجاحظ والنّاظِرونَ والأيْقاظُ… الى اخر القصيدة.