في جنوب لبنان، لا يقتصر العدوان الإسرائيلي على القصف واستهداف المدنيين، بل يمتد إلى استهداف الأرض والرزق والبيئة. ومع استشهاد مواطن جراء غارة استهدفت سيارته على طريق عيتا الشعب – دبل، يتكرّس واقع متصاعد من الترهيب العسكري الممنهج، لا سيما في القرى الحدودية حيث تتحوّل الزراعة إلى مغامرة محفوفة بالموت.
تلالٌ محتلة وحقول محرّمة
في سهل مرجعيون ومزارع سردة، يُمنع آلاف المزارعين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية الممتدة على أكثر من 17 مليون متر مربع، بسبب التمشيط الإسرائيلي شبه اليومي الذي يطال المنطقة المحاذية لتلة الحمام، التي يتمركز عليها الاحتلال. عمليات المسح العسكري والقصف التحذيري حولت المزارعين إلى لاجئين داخل أرضهم، يخاطرون يوميًا للوصول إلى أرزاقهم.
الاحتلال يخنق الزراعة... والدولة تسعى لتدارك الخطر
للسنة الثالثة على التوالي، يواجه القطاع الزراعي في الجنوب كارثة مزدوجة: خسائر ميدانية بفعل الحرائق المتعمدة والجرف المنهجي، وخسائر اقتصادية نتيجة منع الدخول إلى الأراضي وانقطاع سلاسل الإنتاج.
وزارة الزراعة، بدورها، أطلقت مبادرة لتأمين إذونات عبور للمزارعين بالتنسيق مع قيادة الجيش واليونيفيل. وتدعو كل مزارع راغب في العمل بأرضه إلى تقديم طلب عبر بلديته، يتضمن معلوماته والمنطقة العقارية ونوع النشاط الزراعي، بهدف الاستحصال على ضمانات أمنية.
خسائر تتجاوز الزرع إلى الثروة الحيوانية
بحسب التقديرات، تجاوزت نسبة الأضرار الزراعية 80% في القرى الأمامية من كفرشوبا إلى الناقورة، فيما تكبّدت الثروة الحيوانية خسائر فادحة. العديد من المزارع دُمّرت، واضطر عدد كبير من الرعاة إلى بيع مواشيهم بأسعار زهيدة لتأمين الحد الأدنى من العيش.
حتى في القرى غير المحاذية مباشرة للحدود، أصابت تداعيات العدوان الموسم الزراعي بالشلل، وسط غياب فعلي لأي خطة تعويض شاملة، باستثناء مبادرات محدودة مثل توزيع أشجار الزيتون بتمويل خارجي.
الاحتلال يحاصر الأرض... والمزارع يدفع الثمن
ما يجري في جنوب لبنان هو عدوان من نوع مختلف: إسرائيل تُخضع الأرض لحصار ناعم، وتمنع أبناءها من فلاحتها، وتفرض واقعًا من الرعب والاستنزاف، بهدف تفريغ القرى من سكّانها. فحين يُمنع المزارع من دخول أرضه، تكون المعركة على السيادة قد بلغت جذورها.
ومع أن مبادرة وزارة الزراعة تشكل خطوة في الاتجاه الصحيح، إلا أن التحدّي الحقيقي يكمن في كسر الحصار الإسرائيلي المتعمّد على الأرزاق. فالمعركة اليوم ليست فقط على الحدود، بل في كل شجرة زيتون تُمنع من النمو، وكل حقل يُروى بالخوف بدل الماء.


