في تطور لافت في ملف "بنك الاعتماد الوطني"، أصدرت المدعية العامة المالية بالإنابة، القاضية دور الخازن، قراراً يقضي بمنع سفر صاحب البنك نادر الحريري، والمدير المعين من مصرف لبنان رودولف عطا الله. القرار جاء على خلفية تخلف عطا الله عن حضور جلسة قضائية بحجة "عذر صحي"، دون تقديم مبررات كافية، ما استدعى اتخاذ إجراء احترازي بحقه.

وبحسب المعلومات المتقاطعة، فإن الحريري تبلغ  قراراً جديداً من القاضية الخازن لتحديد موعد جلسة استماع جديدة، وذلك بعد تخلفه هو الآخر عن المثول سابقاً. 


دعوى احتيال بملايين الدولارات

النيابة العامة المالية تنظر حالياً في دعوى مقدّمة من المحامي وضاح الشاعر، بوكالته عن أربعة مستثمرين، ضد إدارة المصرف ومديره المعيّن من قبل مصرف لبنان. الدعوى مبنية على اتهامات بالاحتيال والاستيلاء على أموال "فريش دولار" أودعها المستثمرون في حساباتهم لدى المصرف، بعدما باعوا للمصرف مجموعة عقارات بقيمة تقارب 8 ملايين دولار.

تفاصيل القضية تشير إلى أن المصرف، ومنذ عام 2022، يعاني من أزمة سيولة وملاءة حادّة، كان قد تسبّب بها مخالفته الصريحة لتعاميم مصرف لبنان، خصوصاً التعميم 150 (المتعلق بالسحوبات النقدية) والتعميم 134 (المتعلق برفع الرساميل وإنشاء حساب خارجي بنسبة لا تقل عن 3% من مجموع الودائع بالدولار). وعليه، اتخذ المصرف المركزي قراراً بكفّ يد مجلس إدارة البنك وتعيين سمير حمود كمدير مؤقت، بهدف إعادة تنظيم أوضاع المصرف وحماية أموال المودعين.


إدارتان موقتتان… والمشكلة مستمرة

إلا أن الأمور لم تُحلّ. ورغم محاولات تنظيم الملاءة عبر تسييل عقارات مملوكة للحريري-عيتاني قابلة للاسترداد، لم يتمكن حمود من الخروج بالمصرف من أزمته، ما أدى إلى استقالته. وفي العام 2024، عيّن مصرف لبنان مجدداً رودولف عطا الله كمدير ثانٍ مؤقت للمصرف، دون أن يتقاضى أجرًا، بهدف معالجة السيولة وتنفيذ توجيهات المركزي.

لكن المشكلة تفاقمت. وبدلاً من إعادة بناء السيولة عبر أدوات مالية واضحة، لجأ عطا الله إلى الاستحواذ على عقارات يملكها المستثمرون باسم المصرف، وتم فتح حسابات باسمهم تُودع فيها قيمة هذه العقارات. إلا أنه، وعند مطالبتهم باسترداد الأموال، امتنع المصرف عن الدفع، رغم أن الأموال مودعة بالدولار الطازج.


تناقض جوهري في الدور الرقابي

المفارقة في هذا الملف أن كل هذه الوقائع جرت تحت إشراف مباشر من مدير عيّنه مصرف لبنان نفسه، ما يثير علامات استفهام كبيرة حول طبيعة المتابعة، وحقيقة الدور الرقابي، وما إذا كانت الإدارة المؤقتة تعمل فعلاً لمصلحة المودعين والمستثمرين… أم أنها تُكرّس واقعاً مأزوماً يخدم أصحاب المصرف أنفسهم.

القضية لا تزال قيد التحقيق، ولكن المؤكد أن ما حصل في مصرف الاعتماد الوطني ليس مجرّد تعثر مالي تقني، بل يندرج في إطار احتمالات جرمية تستدعي محاسبة شاملة. فالتخلّف عن الدفع في ظل إدارة مصرفية مفروضة رقابيًا، يعكس خللاً مركباً في المعادلة: إدارة معطلة، قضاء يتحرك، ومستثمرون يبحثون عن حقوقهم في متاهة مصرفية مرعية رسمياً.