"النكاية" كالـ"سكيزوفرينيا" (الفصام). الإثنتان من الأمراض النفسية الخطرة ذات التصرفات الشاذة والسيّئة النيّة. والإثنتان من الظواهر المرتبطة بالماضي السحيق والتي من الصعب فهمها لدى فصيلتنا نحن الناس إلا عندما يتعلّق الأمر بـ"سلوكيّات" المدعو أنطون الصحناوي.

بعد البحث والتدقيق، يتّضح أنّ الرجل يجسّد في تركيبته "مثلّث الظلام" في الطّب النفسيّ: فهو يعاني من السيكوباثية (عدم القدرة على الشعور بالتعاطف تجاه الآخرين والندم على إلحاق الضرر بهم)، والنرجسيّة (هوس الشخص بنفسه)، والميكيافيلية (الاستعداد للقيام بأي شيء بهدف تحقيق مآرب شخصية).

لا يفوّت أنطون فرصة لا يحاول فيها "مجاكرة" الشعب اللبناني. لا يتّعظ. لا يتعلّم. لا يتأدّب. ولا يتهذّب... يسرق الناس، ثمّ يستشرس في بجاحته وقلّة حيائه. يحمي المجرمين والقتلة، ثمّ يستفحل في سفاهته. "يتفرعن" على المودعين. يتطاول على القضاء. ويتمرجل على الإعلام الذي يفضح جرائمه وارتكاباته واقترافاته...  

جديد الرجل ليس "تهييج" ميليشيا جنود الرب المسلحة والتي يوفّر لها كلّ الاساليب غير المشروعة للزعرنة على الناس، من قتل وسلب وتطاول.. ولا قضايا السطو التي قام بها بحق المودعين. القضية هذه المرّة أنّ ملك العهر المقنّع بربطة عنق مصرفية، لا يستحي من فجوره، ولا يخجل من وقاحته في بيع لبنان على طاولات الصهاينة.

ليس أنطون الصحناوي  مجرد فرد في شبكة فساد، بل هو العقل المدبّر لشبكة نفوذ خطيرة جعلت من المال سلاحاً لتلويث الإعلام، ومن الإعلام منصة لتسويق مشاريع مشبوهة تفتح أبواب التطبيع على مصراعيها. صفقات مع العدو تُحاك في العلن وتُلمّع بعبارات "الفن والثقافة"، بينما الأموال المنهوبة من جيوب اللبنانيين تُصرف بوقاحة لتمويل "أوبرا إسرائيلية" في تل أبيب، ضمن مشروع دبلوماسي ثقافي هدفه تبييض الاحتلال وتزييف صورة الإبادة.


الرجل الذي اعتاش لسنوات على آلام المودعين، لم يكتفِ بسرقتهم، بل حوّل أموالهم إلى رافعة لأخطر مشروع تعامل لبناني – صهيوني، فيما يتباهى علنًا بأنه "صهيوني ملتزم".  


«بناء شراكة فنية دولية لا يحتاج إلى المال فقط، بل إلى قدر عالٍ من "الوقاحة السياسية" أيضاً». بهذه العبارة يمكن تلخيص التقرير الذي نشرته صحيفة «Washington Jewish Week»، كاشفاً النقاب عن الدور الفجّ الذي يؤديه رئيس عصابة الأشرار  أنطون الصحناوي في تمويل مشروع الأوبرا الأميركية-الإسرائيلية، الذي يجمع بين "الأوبرا الوطنية" في واشنطن و"الأوبرا الإسرائيلية" في تل أبيب. الحدث لم يكن مجرد تعاون ثقافي عابر، بل كان الفضيحة في مصدر تمويله: "رجل الأعمال والمصرفي اللبناني أنطون الصحناوي"، الذي ضخّ أموالاً مباشرةً لإنجاح المشروع.

الصحيفة، وهي لسان حال الجالية اليهودية الأميركية منذ عام 1930، وتصدر اليوم تحت مظلّة شركة «Mid-Atlantic Media» التي تدير باقة من المنصّات اليهودية المتخصّصة، لم تكتفِ بالإشارة إلى الصحناوي كممول سخيّ، بل أبرزته كنموذج "صهيوني متشدّد"، لا يخجل من الإعلان عن انتمائه العقائدي، رغم كونه يحمل الهوية اللبنانية. الصحناوي، الذي لم يكلّف نفسه عناء نفي ما ورد في التقرير، قدّم نفسه بوضوح كعرّاب لخطاب ثقافي-سياسي يشرعن للاحتلال الإسرائيلي عبر مشاريع فنية ناعمة تخفي خلفها أجندة تهويدية صريحة.

التقرير كشف أيضاً عن هوية المستشارة المقرّبة من الصحناوي، هاجر الشمالي، التي تحمل في سجلّها محطات حسّاسة كمستشارة سياسية في وزارة الخزانة الأميركية ومتحدّثة في قضايا الإرهاب والاستخبارات المالية. الشمالي، وبدون مواربة، أكدت أن "نشأة الصحناوي في عائلة لبنانية تعتبر الصهيونية جزءاً أصيلاً من ثقافتها، جعلت منه صهيونياً بالفطرة". وأضافت أن هذه "القناعة العائلية" تعمّقت مع تصاعد ما وصفته بـ"الهجمات على المجتمعات اليهودية" حول العالم، ما دفع الصحناوي إلى اعتبار إسرائيل "ضرورة وجودية" للعالم بأسره.

ليست مصادفة أن يَرد في التقرير ذكر والد الصحناوي، نبيل الصحناوي، رجل الأعمال الذي كان من أبرز ممولي الميليشيات اليمينية المسيحية خلال الحرب الأهلية اللبنانية، والتي اتُّهمت بارتكاب مجازر بحق مسلمين وفلسطينيين. ولم يكن مستغرباً، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، أن يتبرّع الصحناوي الأب بمكاتبه في ضبية ليشغلها فريق منسّق الأنشطة الخاصة بقوات الاحتلال. ما كان خيانة مواربة بالأمس، صار اليوم مشروعاً معلناً يموله الابن بفخرٍ وصلافة.

هاجر الشمالي نفسها وضعت النقاط على الحروف: "أنطون الصحناوي يرى في الصهيونية حجر الزاوية لبناء مستقبل لبنان والمنطقة". بل ذهبت أبعد من ذلك حين قالت إنّ "العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد أعدائها تعزز الأمن في دول الجوار، ومن بينها لبنان". وبفوقية لم تخلُ من التشفّي، أضافت: "إسرائيل قطعت رأس حزب الله في الخريف الماضي، ولبنان استفاد من ذلك... إذ بات أقرب إلى تقرير مصيره من دون أن تكون إيران والحزب جاثمين على صدره".

لكن الأخطر في هذه "الشهادة" ليس فقط اعتراف الصحناوي بانتمائه الأيديولوجي، بل في تظهير دوره كمحرك خلفي لسياسات تطبيعية ناعمة، ترتدي عباءة "الفن والثقافة". الصحناوي، بحسب الصحيفة، لا يقدّم نفسه كمجرّد ممول للأوبرا أو داعم للفن، بل كمهندس لدبلوماسية ثقافية يرى فيها أداة استراتيجية لإعادة رسم مشهد الشرق الأوسط، انطلاقاً من تل أبيب.


الرجل الذي اعتاش على أموال المودعين المنهوبة في لبنان، يُنفق اليوم تلك الأموال ليبني من خلالها جسوراً ثقافية مع الاحتلال، ويروّج لمشاريع صهيونية تخدم إسرائيل وتُجهز على ما تبقى من القضية الفلسطينية. والأخطر أنه يفعل ذلك بفجور واستعراض، وكأنّ دماء ضحايا العدوان  تفاصيل لا تستحق حتى أن تُذكر.


لم يعد التستر على جرائم أنطون الصحناوي ممكناً. فهل تتحرّك النيابة العامة ضدّ الصحناوي  قضائياً بجرائم التعامل مع العدو، وتهديد الأمن القومي اللبناني؟  هل يتم الحجز الفوري على  أصوله وممتلكاته في لبنان والخارج كافة، واستعادة  الأموال التي سرقها من المودعين اللبنانيين والتي يستخدمها لتمويل مشاريع العدو الصهيوني؟ والاهم: هل تُعلّق مشنقة رئيس عصابة الاشرار هذا؟

أنطون الصحناوي ليس مصرفياً مارقاً فحسب، بل هو وكيل رسمي لمشروع صهيوني ينخر لبنان من الداخل، وهو يجب أن يُحاسب بتهمة الخيانة العظمى، وفق القانون اللبناني.

فهل تتجرأ الدولة اللبنانية مجتمعة على ملاحقة "رئيس مافيا" يتعامل مع العدو بفجور؟ أم أنّ أموال المودعين المسروقة لا تزال كفيلة بشراء الصمت والخيانة؟