للمرة الأولى منذ اندلاع الانهيار المالي، يهزّ القضاء المالي جدار الحصانات السياسية والمصرفية المنيعة. النائب العام المالي القاضي ماهر شعيتو فتح الملف الذي كان يُعتبر “خطاً أحمر” منذ 17 تشرين الأول 2019: ملف التحويلات المشبوهة التي جرت في عزّ الأزمة، حين هرّب كبار السياسيين والمصرفيين مليارات الدولارات إلى الخارج بينما تُرك صغار المودعين عالقين أمام أبواب البنوك المغلقة.


هذا الملف الذي دُفن في الأدراج عمداً خلال ولاية النائب العام المالي السابق علي إبراهيم، عاد اليوم إلى الضوء، بعدما كان قد أُخفي لحماية مرجعيات سياسية نافذة وشبكة من أصحاب المصالح الذين استعملوا النظام المصرفي كأداة لنهب البلاد. قرار شعيتو جاء صريحاً: إلزام هؤلاء الأشخاص، طبيعيين كانوا أو معنويين، بإيداع مبالغ مساوية لما حوّلوه، وبالعملة نفسها، في المصارف اللبنانية خلال مهلة شهرين، تحت إشراف النيابة العامة المالية، وإلا فالمواجهة القضائية قادمة.


الأرقام صادمة: مليارات الدولارات خرجت بليل، بأوامر مباشرة من مجالس إدارة المصارف وبغطاء سياسي. الحسابات التي شملتها التحويلات ليست مجهولة؛ إنها حسابات سياسيين ومصرفيين نافذين، استغلوا مواقعهم ومعلوماتهم الداخلية للهرب بأموالهم، تاركين خلفهم ملايين المودعين غارقين في الذلّ والإذلال. وهو ما يُشكّل قانونياً جريمة “تداول من الداخل”، أي قمة الخيانة المالية لشعب بأكمله.


الكشوفات الرسمية والوثائق الرقابية السابقة لا تترك مجالاً للشك. لجنة الرقابة على المصارف كانت قد رصدت تحويلات تتجاوز ملياري دولار إلى مصارف سويسرية في أسابيع قليلة بين تشرين الأول 2019 وكانون الثاني 2020. لجنة الاقتصاد النيابية كشفت بدورها عن تحويلات بقيمة مليار ونصف المليار دولار على شكل تسهيلات ائتمانية، ومليار ومئتي مليون دولار كتحويلات فردية. وكلها جرت بينما كان المودعون عاجزين عن سحب حتى مئة دولار من حساباتهم.


القرار القضائي لا يتحدث عن حجز أو مصادرة، بل عن إعادة ضخ الأموال في النظام المصرفي اللبناني. لكن التحدي ليس قانونياً فقط، بل سياسياً أيضاً: هل يملك القضاء الجرأة والقدرة على إجبار هذه “الكارتيلات” المالية – السياسية على إعادة ما نهبته؟ أم أن القرار سيتحول إلى مجرد ورقة جديدة في أرشيف فضائح النظام؟


ما لا يمكن تجاهله هو أن إدراج لبنان على “اللائحة الرمادية” لمكافحة تبييض الأموال لم يكن إلا نتيجة طبيعية لهذا الفساد البنيوي. كل المؤشرات الدولية حذّرت من انهيار الثقة واندفاع اللبنانيين نحو الاقتصاد النقدي، بعدما كشفوا أن البنوك – التي وُجدت لحماية أموالهم – تحولت إلى أدوات للسطو عليهم.


اليوم، محاولة القاضي شعيتو كسر هذا الجدار تشكّل خطوة جريئة، لكنها تضع المنظومة بأكملها في قفص الاتهام. إما أن يُنفّذ القرار وتُعاد الأموال المسروقة، أو ينكشف نهائياً أن الدولة والقضاء والبنوك جميعاً مجرد أدوات في خدمة مافيا واحدة تتحكم بمصير بلد وشعب.