حمل صباح أمس  خبر استجواب الوزيرة السابقة ريّا الحسن، رئيسة مجلس إدارة «بنك البحر المتوسّط». دخلت الحسن إلى مكتب القاضية ميرنا كلاس لتُستجوب في ثلاث تهم ثقيلة الوطأة: تبييض الأموال، التزوير، وإساءة الأمانة. وانتهت الجلسة إلى تركها بسند إقامة، فيما الملف خرج من باب التحقيق الأولي ليدخل دهاليز قضية مصرفية ـ قضائية قابلة للتوسّع.


القصة بدأت بشكوى تقدّم بها المحامي صخر الهاشم بالوكالة عن مجموعة مودعين، بعد اكتشاف أنّ  أرصدة ستة أفراد من عائلة واحدة، لكلّ منهم حساب مستقل، تبخّرت من المصرف، وقيمتها الإجمالية خمسة ملايين دولار. أصحاب الحسابات، وجميعهم مقيمون خارج لبنان، كانوا قد قرّروا منذ اندلاع الأزمة الإبقاء على ودائعهم من دون أي حركة، انتظاراً لما ستسفر عنه التشريعات. لا سحوبات نقدية، لا شيكات، لا تحويلات، ولا استفادة من تعاميم «مصرف لبنان». ومع ذلك، حين طُلبت كشوفاتهم، وجدوا الأرصدة «صِفراً» على الشمال.


بداية الانكشاف جاءت صدفة. تلقّت إحدى المودِعات اتصالاً من مديرة في المصرف تسأل إن كانت قد بعثت كتاباً لتحويل خمسين ألف دولار من حسابها. جاء الردّ بالنفي، فأخبرت زوجها الذي يدير معها حساباً مشتركاً، مؤكداً أنه لم يزر لبنان منذ أكثر من ثلاث سنوات. عندها اقترحت المديرة مراجعة جميع حسابات العائلة «للاطمئنان». فسافروا من الكويت إلى بيروت، ليكتشفوا أن حساباتهم صارت بلا دولار واحد.


في لقاء مع ريّا الحسن، سمعوا رواية عن «خلل داخلي» وأن «أشخاصاً» استولوا على الأموال. لم تُعرض عليهم آلية واضحة لما جرى ولا خريطةُ مسؤولياتٍ تحدّد أين وقع التقصير. قيل لهم إن تحقيقاً داخلياً فُتح. انتظروا نتيجة التحقيق، طلبوا موعداً ثانياً فلم يُستجاب لطلبهم. عندها اتّجهوا إلى القضاء، فكان استدعاء الحسن واستجوابها.


المعلومات  تُظهر أن المصرف، بعد انفجار الأزمة المالية، قنّن إصدار الشيكات وحصره بفرع السوديكو حصراً. أي شيك يُصرف لمصلحة مودِع صار يمرّ بسلسلة موافقات إدارية بين أكثر من مدير قبل أن يحطّ على طاولة إدارة ذلك الفرع. إجراءٌ يُفترض أن يُحكم الرقابة، لكنه تحوّل، إلى ثغرة نُفذت منها عملية منظمة.

الفضيحة وفقاً للمعلومات المتقاطعة، تتمثّل في «تواطؤ» بين مدير فرع السوديكو ومسؤولين آخرين في مواقع حساسة داخل المصرف. اذ جرى اتفاق  بين المعنيين يقضي بأن يقدّم المدير اعترافاً خطياً بما ارتكبه، أيب سحب ما يقارب خمسة ملايين دولار من حسابات العائلة عبر «شراء» شيكات بقيمتها من دون علم أصحابها ثم بيعها في السوق، قبل أن يسبق الاستدعاء القضائي بمغادرة البلاد. 

القضية ما تزال في بداياتها. الترجيحات تشير إلى وجود شركاء للمدير الفار، ما يستدعي، منطقياً وقانونياً، استدعاء كلّ من مرّت عبره تلك العمليات، وعدم حصر المسؤولية بموظّف واحد لا يعرفه المودعون ولم يلتقوا به من قبل. وفي الأثناء، دبّ الهلع في أوساط شريحة واسعة من عملاء المصرف؛ هرع كثيرون لتفقّد حساباتهم، خشية أن يكون السيناريو ذاته تكرر بحقّهم بصيغٍ أخرى.


قضائياً، ينتظر أن تمضي القاضية ميرنا كلاس في مسارين متوازيين: تفكيك شبكة المسؤوليات داخل المصرف، وتحديد موجبات الردّ بحقّ المودعين. والمرجّح، وفق مصادر قانونية، أن يُلزم القضاء المصرف بإعادة الأموال إلى أصحابها إن ثبتت رواية السحب غير المشروع، على أن تُستكمل التحقيقات لتبيان دوائر التواطؤ والتقصير الإدارية.


ما بين ترك رئيسة مجلس الإدارة بسند إقامة واستكمال الاستماع إلى مسؤولي الفروع وسلسلة القيادة، تتبلور ملامح اختبار جدّي لمبدأ بديهي كاد يندثر في سنوات الانهيار: «المصرف مؤتمن على الودائع». هل يُعاد الاعتبار لهذه القاعدة، أم يُطوى الملف تحت عنوان «خطأ فردي»؟ الإجابة رهن شجاعة التحقيق ودقّته، وقدرة القضاء على الذهاب إلى النهاية، حيثما قادته الأدلة، لا إلى حيث ترغب الحصانات.