لا أحد فوق المساءلة. لا بطءُ القضاء أو تخاذُله أو خضوعُه، ولا صخبُ مرجعيات السياسة، ولا ضبابية التخصّص القانوني والقضائي... تمنح كلّها، أو "حبّة حبّة"، «صكّ براءة» لمن تتقاطع عليه القرائن، كلّ القرائن.
إيلي عبّود مرتكب وفاسد ومبتزّ. نعم. هذه هي حال نقيب خبراء المحاسبة المجازين. المعطيات التي بحوزة النيابة العامة المالية تؤكّد أنه «العقل المدبّر» لغالبيّة الارتكابات المنسوبة إلى الأخوين أمين وكريم سلام. وجوازُ سفرٍ محجوز، وكفالةٌ أُرغم على دفعها وقدرها 70 ألف دولار، لا يخوّلانه "ندر العفّة" أو الفرعنة... حتى ولو أفضت التدخّلات السياسية إلى عدم توقيفه، حتى الآن.
عليه، على "النقيب" إيلي عبّود أن يتوقّف عن تسويق "تهاون" القضاء على أنه "براءة". فالملف ليس فارغاً كما يدّعي. والقرائن والأدلّة لا تقبل اللبس، بل "تلبسه لبس" .
وعلى "النقيب" عبّود أن يستوعب أمراً: تخاذل شركات التأمين التي تلوذُ بالتكتّم على ابتزازاته في أكثر من موضوع، خشية ما بحوزته من حقائق تكشف هشاشة أوضاعها، لا تُخوّله التجبّر والغطرسة. فكلّ مَن في سوق التأمين يدرك جيداً حقيقة هذا "العبّود"، ولو أن الجميع يخشى فتح دفاتر الحساب.
ولمن لا يتذكر، فإنّ النقيب عبود أقنع أمين سلام بإجراء التدقيق الجنائي بعد انفجار 4 آب لشركات كان هو المحاسب المعتمد للاكثرية منها. ومن ثمّ استخدم عبود بدعة التدقيق الجنائي لإرغام الشركات على توقيع عقود الـIFRS17 علماً ان السوق اللبنانية لم تكن بحاجة لها. بمعنى ابسط، ابتزّ عبود الشركات بالتدقيق الجنائي وفرض موضوع الـIFRS17، تحديداً على الشركات التي لديها ما تخشى فضحه، فجنى عبود اكثر من مليون دولار علماً أنه لم ينجز العمل المتفق عليه.
لكل الأسباب المذكورة، وغيرها لم يُذكر بعد، فلتفهم يا "نقيب" عبّود، أنّ ممارسات الترهيب والتخويف بحقّ جريدة "الخبر" لم ولن تُجديك نفعاً. فـ"الخبر" وُجدت لكشف أمثالك، وزجّهم في مكانهم الطبيعي، ولو بعد حين "غير طويل"...
وإذا كانت فضيحة الـIFRS17، وقضية "المشرق"، وملف التدقيق الجنائي لشركات كنت مسؤولاً عن حساباتها ومؤتمن على اسرارها بالإضافة الى الملف الذي أودعته لجنة الاقتصاد البرلمانية لدى القضاء، كلها ليست كافية لإثبات شراكة "العبّود" مع الأخوين سلام، فإننا نضع في عهدة النيابات العامة المعنيّة قضية " Alpha Omega Plus" وكيف حاول إيلي عبّود نهب أموال لجنة الرقابة على هيئات الضمان، كإخبار إضافيّ، ولو أن العقد لم يوقّع، إلا أنه يكشف نهج الرجل بالاستيلاء على الأموال العامة..والخاصة.
في التفاصيل التي حصلت عليها "الخبر" من مصادر وزارة الاقتصاد والتجارة، فإن هذا العقد كان يُجسّد واحدة من أخطر الصفقات باسم الإصلاح، لِما ينطوي عليه من كلفةٍ «فريش» خارجية وبنود سرّية وغياب مسارات شفّافة. الأخطر في الدلالات أنّ توقيع العقد كان يحمل اسمين: إيلي عبّود بصفته «شريكاً إدارياً» في الشركة، والوزير أمين سلام باسم هيئة الرقابة. هكذا، كان إيلي عبّود، ومعه أمين سلام، يريد تحويل جهاز رقابي عام إلى قناة تلزيمٍ خارجي بملايين الدولارات، مع شبهة تضارب مصالح صارخة: فالموقّع الخاص طرفٌ مستفيد، والموقّع العام يُسخّر توقيع الدولة.
تفاصيل العقد تكشف قالباً جاهزاً بخمس «ركائز» متطابقة تقريباً مع أدبيات مؤسسات دولية: تحديث القوانين والأنظمة (حوكمة، مكافحة تبييض الأموال، تدقيق داخلي، إدارة مخاطر، إعادة تأمين…)، تقارير رقابية وِفق IFRS 17، كفاية رأس المال على أساس المخاطر، رقابة وإشراف مبنيّان على المخاطر، وبرامج تدريب.
كلّها عناوين برّاقة وفضفاضة، لكن خبراء رقابة اطّلعت "الخبر" على آرائهم، يرونها «نسخاً ولصقاً» لا تراعي خصوصية السوق اللبنانية، وتُستخدم لتبرير اكلاف باهظة ومضخّمة أكثر ممّا تُسعف في معالجة الخلل البنيوي.
الروزنامة المقترحة كانت ستمتدّ لأكثر من عامين: سبعة أشهر للأنظمة، تسعة للتقارير وكفاية رأس المال، أربعة لمنظومة الرقابة، وعشر دورات تدريبية.
في قطاعٍ يتداعى يومياً، بفعل سرقات المستشفيات الخاصة بالتكافل والتضامن مع الشركات المستوردة للمستلزمات الطبية، يبدو الإيقاع أقرب إلى مخطط لنقل ثروات منه إلى معالجةٍ سريعة تُخفّف المخاطر على المؤمّنين والاقتصاد والشركات.
أما الكلفة ففاضحة: 1.475.000 دولار نقداً «فريش» تُحوَّل عبر مصرفٍ في الإمارات. 425 ألفاً لمحور الأنظمة، 650 ألفاً للتقارير، و300 ألفٍ لبناء الرقابة، و100 ألفٍ للتدريب. أي «تهريبٌ منظّم» للعملة الصعبة خارج بيئةٍ تحتاجها لتقوية قدراتها الوطنية، لا لاستيراد خدمات معلّبة. وهنا تجدر الإشارة الى انه في الوقت الذي كان الثلاثي أمين-كريم-عبود يحاولون تمرير العقد، كانت زيارات أمين الى الامارات"كثيرة".
بالعودة الى شروط الدفع، فهي تُكرّس منطق «إدفع ثم ناقش»: 50% عند التوقيع و50% عند التسليم، حتى ولو جاء التسليم أدنى من التوقّعات.
يكمّل ذلك بندُ سرّيةٍ متشدّد يحظر الكشف عن أي تفصيل من دون موافقة مسبقة، بما يعني عملياً تعتيماً على الرأي العام في صفقةٍ تُموَّل باسم الدولة. وحين يُسأل عن قواعد الشراء العام، تُجيب التواقيع: لا مناقصة علنية، لا معايير معلَنة لاختيار الشركة، ولا صمّام أمانٍ يحول دون تضارب المصالح. هدف العقد كان تلزيم الغالبية الساحقة من عمل لجنة الرقابة على شركات التأمين للمدعو ايلي عبود.
إيلي عبّود: انتهت حفلة التلميع. لقبك النقابي لا يصنع لك حصانة، وكفالتك ليست صكّ غفران. ما في الملف من قرائن وتواقيع وشهادات كفيلٌ بأن يجرّك إلى حيث يجب. اعتدْ على إعلامٍ بنهجٍ جديد، لا يُشترى ولا يُرهب، يسمّي الأشياء بأسمائها ويلاحق الأثر حتى باب المحكمة. هذه القصة لن تُقفل بدعوى قدح وذم بحق جريدة "الخبر" ورئيسة تحريرها؛ بل ان خاتمتها ستكون محاسبة… ولو بعد حين.


