في أقلّ من أسبوعين على تولّيه، كلّف النائب العام المالي القاضي ماهر شعيتو أشخاصًا طبيعيين ومعنويين ومنهم مصرفيون، بإيداع مبالغ في المصارف اللبنانية تعادل ما حوّلوه إلى الخارج أثناء الأزمة وبالعملة نفسها، خلال مهلة شهرين، تحت إشراف النيابة العامة المالية ووفق الشروط التي تضعها. القرار جاء استنادًا إلى تحقيقات جارية في ملفٍ كان قد بوشِر به سابقًا، حيث دفعت النيابة آنذاك المصارف إلى تقديم لوائح بالحسابات وقيم التحويلات من دون أسماء، مع عتبة 500 ألف دولار. الجديد اليوم أنّ شعيتو انتقل من "أرقام بلا أسماء" إلى طلب الأسماء نفسها، مع توسيع دائرة الاشتباه الإجرائي. وتفيد المعطيات بأن نحو عشرين مصرفيًا ومديرًا تنفيذيًا يندرجون ضمن اللائحة الأولى للمعنيين بالإيداع الموازي.


على الفور طُرحت حزمة أسئلة: هل يشمل الإجراء كلّ من حوّل أموالًا؟ أم يقتصر على لوائح محدّدة ضمن ملفّ قضائي؟ ما السند القانوني لإلزام أشخاص بالإيداع خلال مهلة محدّدة؟ وكيف ستُصنَّف الأموال المُعادة: «فريش» قابلة للاستخدام الحر أم مقيّدة؟ وهل نحن إزاء خطوة شعبوية لقاضٍ جديد أم إجراء جديّ؟ كما طُرحت أسئلة اتساق: هل ستطال الاستدعاءات شخصيات سياسية ودينية وإعلامية وقضائية ذات وزن، أم سيُحصر الاتهام برؤساء مجالس الإدارة والمديرين التنفيذيين؟ وهل سيجري التوسّع إلى السحوبات النقدية الكبيرة لا التحويلات وحدها، وإلى التحويلات لمصلحة جهات أجنبية بالمعيار نفسه؟ والاهم من كلّ ذلك، هل يُعاد الى استكمال ملف تحويلات شركة "مكتف"؟

  هنا يبرز منطق المصارف: لا نصّ عامًّا حظَر التحويل خلال الفترات المعنية؛ فلماذا الانتقائية؟ بل ويضربون أمثلة: تحويلٌ قُدِّر بمئات ملايين الدولارات لشخصية أجنبية مقابل سحوبات نقدية كبيرة لشخصيات سياسية، ومودِعٌ لديه 10 ملايين دولار سحب مليونًا؛ هل يُشتبه بالجميع على قدم المساواة؟ وماذا عن الذين خرجوا نهائيًا من النظام المصرفي اللبناني ويحملون جنسيات أجنبية: هل تُلاحَق حركاتهم عابرًا للحدود؟

في المقابل، تُظهِر مقاربة النيابة أنّ توسيع نطاق الشبهات لا يُقيدها بشيء مسبق، بل يفتح هامش التدقيق والفصل حالةً بحالة تبعًا للإفادات التي سيقدّمها المعنيون. أمّا الوصف الجرمي النهائي (إساءة أمانة، صرف نفوذ، غسل أموال، تهرّب ضريبي…) فمعلّقٌ على اكتمال العناصر. ويقرأ بعض المراقبين في الخطوة رسالة خارجية باتجاه هيئات الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجهات الدولية (ومنها صندوق النقد والاتحاد الأوروبي) بأنّ ملفات التحويلات إبان الأزمة تتحرّك نحو إنفاذ قضائي لا مجرّد إحصاء.


التأصيل القانوني وأدوات التنفيذ الممكنة

الإطار الحاكم هنا ثلاثة مستويات: التحقيق الجزائي، والتدابير التحفظية، وقواعد السرية المصرفية ورفعها. للنيابة العامة، في حدود اختصاصها، أن تطلب المعلومات من القنوات المختصّة (وفي مقدّمها هيئة التحقيق الخاصة)، وأن تُحيل إلى قاضي التحقيق لاستصدار حجوزات احتياطية أو أوامر على عرائض بتجميد أصول أو منع تصرّف، وأن تستند إلى قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (2015 وتعديلاته) وإلى تعديلات السرية المصرفية (2022) التي وسّعت إمكانيات الولوج القضائي للمعلومات المالية.

لكن إلزام أشخاصٍ بإيداع مبالغ مساوية خلال مهلة وبالعملة نفسها يطرح تمييزًا لازمًا:

  • إن جرى بوصفه تدبيرًا تحفظيًا صادِرًا بمؤيّد قضائي قابلٍ للتنفيذ (حجز/تجميد/منع سفر…)، فهو داخلٌ في سلّم الإنفاذ شريطة مراعاة الشرعية والتناسب وعدم التمييز بين مراكز قانونية متشابهة.
  • أمّا إن قُدّم كـ ترتيب “رضائي/تعهّدي” بلا أداة تنفيذ قضائية، فسيبقى هشًّا عُرضةً للطعن بـتجاوز حدّ السلطة أو مخالفة الأصول.

وعلى خطٍ موازٍ، يظلّ تصنيف الأموال المُعادة (فريش/مقيّدة) رهين القرارات التنظيمية والتعاميم والبتّ القضائي في كيفية استعمالها ومآلها، لا سيّما أنّ التصنيف يُحدث أثرًا اقتصاديًا مباشرًا على السيولة، وعلى ميزانيات المصارف، وعلى حقوق المودعين بين “المتحرّرة” و”المقيّدة”.


منظور المصارف والاختبارات العملية للاتساق

تقول المقاربة المصرفية: لا نصّ يحظر التحويل في الفترات المعنية؛ والانتقال إلى لائحة أسماء منتقاة يجعل الخطوة شعبوية ما لم تُبنَ على معيار واحد يشمل التحويلات والسحوبات النقدية داخليًا وخارجيًا وبالمنهج نفسه. ويطالب المصرفيون بأن تمتدّ التحقيقات إلى السحوبات النقدية الكبيرة وإلى التحويلات لمصلحة جهات أجنبية، وأن يُراعى تكافؤ المعايير بين موظف أو مساهمٍ حوّل مبالغ مرتفعة، ومودِعٍ كبيرٍ سحب نسبة محدودة من رصيده، وبين شخصياتٍ ذات حصانة اجتماعية أو سياسية. كما يطرحون أسئلةً عملية: هل ستُستدعى الأسماء الثقيلة؟ وهل ستجري ملاحقات عابرة للحدود لمن خرجوا من المنظومة نهائيًا؟ من دون إجابات تنفيذية واضحة، يبقى الخطر أنّ الإجراء يخسر اتساقه ويغدو عرضةً للطعن.


 أهمّ ما تبدّل مع شعيتو هو الانتقال من لوائح أرقام إلى لوائح أسماء مع إلزامٍ مالي محدّد بمهلة وشروط. هذه إشارة صرامة، لكنها تضع النيابة أمام اختبار أدوات التنفيذ ومعيار عدم الانتقائية. فإذا اقترنت الخطوة برفعٍ محكَمٍ للسرية المصرفية، وبحجوزات قضائية، وبمعيار تغطية يشمل التحويلات والسحوبات على السواء، أمكن أن تتحوّل إلى منعطف إنفاذ يطاول المسؤوليات الجرمية ويبعث رسالة امتثالٍ جدّية إلى الخارج. أمّا إذا بقيت قرارًا إداريًا/إعلاميًا بلا سندٍ قضائي قابلٍ للتنفيذ، أو مورِست بانتقائية، فستتحوّل سريعًا إلى «دعسة ناقصة» تُربك الملف وتفتح باب الطعون، من غير أن تُنتج أثرًا اقتصاديًا أو قضائيًا متماسكًا.