في وقت تُرفَع فيه عناوين «الإصلاح» و«الشفافية»، أعادت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إضاءة كاشفة على ملفّ هنيبعل القذّافي، معتبرةً أنّ القضاء اللبناني «متصدّع، يفتقر إلى الاستقلالية، ويقع تحت تأثير تدخّلات القوى النافذة». المنظمة دعت السلطات إلى الإفراج الفوري عنه وتعويضه عن احتجازٍ تصفه بالتعسّفي، وفتح تحقيق لمساءلة من تسبّبوا باستمرار توقيفه منذ عام 2013 على خلفية قضيّة اختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه، وما نُسب إليه من «كتم معلومات»، وذلك من دون محاكمة أو مسوّغ قانوني واضح.
وجاء موقف «هيومن رايتس ووتش» بعد زيارة ميدانية أجراها أحد باحثيها في 12 آب/أغسطس إلى مقرّ فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وهي—بحسب المنظمة—أول معاينة تقوم بها جهة دولية حقوقية للموقوف في لبنان. الزيارة لم تشمل الاطّلاع على مكان احتجازه، غير أنّ القذّافي أفاد بأن زنزانته تقع تحت الأرض من دون نوافذ وإن كانت مهوّاة، مشيرًا إلى وهنٍ جسدي ونقصٍ في الفيتامينات، إضافة إلى متاعب نفسية ناجمة عن عزلته الطويلة وافتقاره لضوءٍ طبيعي، مؤكّدًا أنّ وضعه الصحّي تدهور خلال الأعوام الأخيرة.
على الضفّة القانونية، رأى فريق الدفاع في بيانٍ له أنّ تقاعس الجهات المعنية عن التجاوب يُعدّ خرقًا جسيمًا للقوانين النافذة، وطالب رئيس الجمهورية بالتدخّل إنفاذًا للعدالة.
إجرائيًا، تفيد المعلومات المتقاطعة بأنّ الملفّ قيد متابعة حثيثة قد تُفضي إلى مستجدّات قريبة، وأنّ الجسم القضائي لم يعد يحتمل شوائب إضافية. كما تشير المعطيات إلى أنّ المحقّق العدلي زاهر حمادة، على الرغم من تعيينه مدّعيًا عامًا في الجنوب، لا يزال مكلّفًا بالملف بموجب مرسوم وزاري، وهو وضع لا يرتبط بالتشكيلات القضائية الأخيرة، ما يعكس تعقّد المسار المؤسسي للقضيّة.
تتقاطع هذه الضغوط والتحرّكات مع اقتراب الذكرى السابعة والأربعين لتغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه، المرفوعة هذا العام تحت شعار «وطن نهائي»، بما يحمّل الملفّ أبعادًا رمزية وسياسية إضافية تتجاوز وضع موقوفٍ بعينه إلى سؤالٍ أوسع عن صدقية منظومة العدالة: هل يستطيع القضاء اللبناني أن يفصل القانون عن السياسة، وأن يقدّم مسارًا واضح التعليل ومتوافقًا مع الضمانات الدستورية بعد عقدٍ من التوقيف؟ أم أنّ الإبقاء على حالة «اللا-حسم» سيكرّس انطباعًا بأن ميزان العدالة ما زال معطّلًا تحت وطأة الحسابات؟


