خمسة عقود على تغييب الإمام موسى الصدر واللغز ما يزال مفتوحًا. وثائقي استقصائي بثّته «بي بي سي» أعاد إشعال الأسئلة انطلاقًا من صورة التُقطت داخل مشرحة سرّية في طرابلس الليبية عقب سقوط نظام القذافي عام 2011. الصحافي اللبناني قاسم حمّادي وثّق جثةً مطموسة الملامح، لتتحوّل الصورة لاحقًا إلى خيطٍ محتمل في قضيةٍ متروكة منذ نحو نصف قرن.
أحالت «بي بي سي» الصورة إلى مختبرٍ في لندن اعتمد تقنية مطابقة وجوه مدعومة بالذكاء الاصطناعي. النتيجة: نسبةُ تطابقٍ تفوق 60% مع ملامح الإمام الصدر، تلتها نسبٌ أدنى مع أفرادٍ من عائلته ثم مع عيّناتٍ عشوائية. غير أنّ عائلة الإمام رفضت قاطعًا هذه الخلاصة، محتجّةً بواحدةٍ من العلامات الفارقة: عند تغييب الصدر كان شعره أبيض، بينما تُظهر الصورة شعرًا أسود.
التطوّر الأبرز في المسار نفسه أنّ حمّادي نقل عام 2017 خصلة شعرٍ من تلك الجثة إلى بيروت وسلّمها ضمن ملفٍ كامل إلى المعنيّين في عين التينة. وبحسب معلوماتٍ متداولة، ضاع الملف «لأسبابٍ لوجستية» من دون تقديم تفاصيل إضافية. رئيس لجنة متابعة قضية إخفاء الصدر ورفيقيه، القاضي حسن الشامي، أكّد أنّه طلب من حمّادي خصلًا إضافية وقد وافق الأخير قبل أن يعود ويبلّغه بأن لا عينات أخرى لديه. هذه الرواية ينفيها حمّادي بشكلٍ حاسم، موضحًا أنّه لم يَعِد أحدًا بأي عيّناتٍ إضافية، وأنّ خصلة الشعر الوحيدة أودِعت الجهات الرسمية، داعيًا الدولة إلى تحمّل مسؤولية المتابعة لأن استكمال هذا النوع من التحقيقات يقع حصراً ضمن صلاحيات المرجعيات الرسمية.
هكذا ينتهي خيطٌ بدأ بصورةٍ ضبابية في مشرحةٍ مهملة إلى ملفٍ «مفقود»، بين رواياتٍ متناقضة وأسئلةٍ تفوق الأجوبة. بعد ما يقارب الخمسين عامًا على اختفاء الإمام موسى الصدر، تبقى الحقيقة معلّقةً بين خصلة شعرٍ تاهت في الدروب الإدارية، وتقنياتٍ رقمية تقدّم نسبًا واحتمالات، وذاكرةٍ جماعية لا تزال تبحث عن اليقين.


