لم يكن التصفيق الذي استمر أربعًا وعشرين دقيقة في قاعة فينيسيا احتفالًا بالبريق على السجادة الحمراء؛ كان بكاءً واقفًا، غضبًا مكبوتًا، وصدمة جماعية أمام حكاية طفلة في السادسة. هناك، في مدينة السينما، دوّى صوت هند رجب، لا صوت  الشاشة. قيل إن التصفيق هو الأطول في تاريخ القاعة، وربما في تاريخ المهرجان كله، لكنه بدا أقصر بكثير من الليل الذي قضته هند محاصَرة بالخوف والرصاص.


في تلك اللحظة، انزاح ثقل سرديةٍ طالما تربّعت على عرش الصناعة العالمية. فجأةً لم تعد فلسطين ملفًا سياسيًا يختلف حوله الكبار؛ صارت طفلة تستغيث. الفيلم الذي وقّعته المخرجة التونسية كوثر بن هنية لا يقدّم “قضية” بل حياةً قُطعت بدمٍ بارد: هند التي تاه صوتها بين نداءات متقطعة لمُسعفي الهلال الأحمر، بعد أن أُبيدت عائلتها بوابلٍ تجاوز ثلاثمئة رصاصة، ثم تعقّبها الرصاص نفسه. هكذا يُعيد “صوت هند رجب” أطفال غزة من خانة الأرقام التي يُراد لها أن تُنسى، إلى سجلاتٍ لها أسماء وبيوت وروائح خبز. 

من بين عشرين ألف طفل قضوا خلال عامين، قصفًا أو قنصًا، تخرج هند من العتمة، لتكذّب عبارة “أضرار جانبية” وتعلقها على جدار العار.


في الفيلم، لا يعلو على رفيف الروح إلا خفقة قبضةٍ تحاول أن تتماسك. تسمع الفتاة وهي تستنجد، وتسمع مَن يطمئنها بصوتٍ يرتجف من العجز: سنأتي… ابقي معنا. هذه الجملة وحدها تختصر زمنًا كاملًا من الوحشة. ولعلّ المعجزة الفنية هنا أن الشريط لا ينزلق إلى ابتزاز المشاعر، بل يفرض على العالم أن يصغي، فقط يصغي، إلى ما حاول الرصاص إسكاتَه.


لم يكن الطريق إلى فينيسيا معبّدًا بالتصفيق وحده. أسماء ثقيلة في هوليوود انضمّت كمنتجين منفّذين: براد بيت، خواكين فينيكس، روني مارا، ألفونسو كوارون، جوناثان غليزر، فأُضيف وزنٌ مهنيّ إلى ثقل الضمير، واهتزّ ميزانٌ ظلّ لسنوات يميل إلى روايةٍ واحدة بدعم المال والسياسة. ومن فينيسيا، يتجه الفيلم إلى تورونتو ولندن وسان سيباستيان وبوسان، على طريقٍ يُرجَّح أن يمرّ بالأوسكار. ليست مسألة جوائز فحسب؛ إنها مسألة اعترافٍ متأخّر بإنسانيةٍ جرى التشكيك بها طويلًا.


خارج قاعات العرض، كانت الموجة تتمدّد. مظاهرات في بلجيكا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا، وفي الشمال الأوروبي من الدنمارك إلى السويد والنرويج. في الولايات المتحدة، صارت هند رمزًا لقتل الطفولة، وخرجت الجامعات—بما فيها تلك التي تُعدّ نخبة النخبة، من أسوار الحياد المصطنع إلى الشارع. من برشلونة، انطلق أسطول إنساني نحو غزة، كأنّ السينما أطلقت قافلة ضمائر.


قالت كوثر بن هنية إن النظرة إلى الرواية الفلسطينية ظُلّلت لسنوات بالريبة. ربما آن أوانُ خلع هذا الغطاء. ربما كان لا بدّ من صوتٍ صغيرٍ يرتجف تحت الأنقاض ليكسر القيد. هند تذكّر العالم بما لا يُفترض أن نحتاج إلى تذكيره: أن الفلسطينيين بشر، يحزنون، يَحلمون، يَحملون أبناءهم إلى النوم ويخافون عليهم من الغد. أن تكرّر هذه البدهيات يعني أن المأساة بلغت حدًّا يهدّد المعنى نفسه.


أربع وعشرون دقيقة من التصفيق لن تعيد طفلة إلى حضن أمّها. لكنها كافية لتقول إن الصورة شُوّهت، وإن الصوت، مهما كان ضعيفًا، حين يصدح في المكان الصحيح، يستطيع أن يزلزل صمتًا عمرُه عقود. صوت هند رجب ليس نهاية قصة؛ إنه بداية حسابٍ مع الحقيقة.