على مدى أكثر من عقد، تكبّد لبنان أعباءً اقتصادية واجتماعية وديموغرافية استثنائية بسبب النزوح السوري. اليوم، ومع تحوّلٍ لافت في مزاج النازحين ورغبتهم بالعودة، تبرز فرصة لتحويل الملف من أزمةٍ مفتوحة إلى مسارٍ عملي، شرط توافر إرادةٍ سياسية واضحة وخطةٍ متكاملة تقودها الدولة. في هذا السياق، تطرح «كلّنا إرادة» خارطة طريق تقوم على ثلاث ركائز متلازمة: تنظيمٌ داخليّ صارم، تفاعلٌ مسؤول مع التطوّرات داخل سوريا، وشراكةٌ فعّالة مع العرب والمجتمع الدولي.

أرقام تغيّر المعادلة

المعطيات الأحدث تشير إلى وجود نحو 1.4 مليون سوري في لبنان حاليًا. منذ ما وُصف بـ«سقوط النظام السوري» عاد قرابة 240 ألف شخص إلى بلادهم، فيما سجّل 114 ألفًا في برامج العودة. الأبرز أنّ 25% من السوريين عبّروا مطلع 2025 عن رغبتهم في العودة، مقابل 2% فقط في العام السابق، بما يعكس تحوّلًا جذريًا في الاتجاهات. ورغم أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تقدّم دعمًا مباشرًا للعائدين يبلغ 100 دولار للفرد و400 دولار للعائلة، فإن نحو 90% من العائلات السورية تعيش تحت خطّ الفقر المدقع، فيما يفتقر 80% إلى إقاماتٍ قانونية، ما يجعل الواقع القائم غير قابل للاستمرار.

إشارات مشجّعة من الداخل السوري

رحّبت السلطات السورية علنًا بعودة مواطنيها، من دون أن تعتمد بعدُ سياساتٍ رسمية تُنظّم عودةً جماعية أو تحفّزها. يتباطأ الإيقاع بسبب الضبابية الأمنية ومخاوف الاضطهاد السياسي—خصوصًا لدى المؤيّدين والأقليات—لكن إلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية والتزام الحكومة بإعادة الممتلكات المصادَرة (رغم التعقيدات) قدّما حلولًا لمشكلتين مركزيتين. يبقى نجاح العودة مرهونًا أيضًا بظروفٍ اجتماعية واقتصادية داخلية قابلة للحياة.

التنظيم الداخلي: مسؤولية وطنية أولًا

تُحتم المصلحة الوطنية إطلاق مسارٍ مؤسّسي واضح، يشمل:
• إعادة التصنيف بين لاجئين معرّضين للخطر ومهاجرين اقتصاديين، ولا سيّما أنّ الوضع الأمني لغالبية السوريين تبدّل عمّا كان عليه.
• تحديثًا شاملًا للبيانات بالتعاون مع المفوضية، وإنجاز معاملات الإقامات والزيجات والولادات لتسهيل مسارات العودة.
• ضبط الحدود والمعابر غير الشرعية وتفعيل إدارة سوق العمل (تصاريح، ضرائب، وأذونات) ضمن سياسةٍ مستدامة تحمي اليد العاملة اللبنانية وتُنظّم الطلب.

شراكات لبناني-سورية ودعم عربي ودولي

يتطلّب نجاح الخطة مذكرة تفاهم لبنانية–سورية تضمن الاعتراف بالوثائق الرسمية، تسهيل استعادة الممتلكات، وضمان عدم تعرّض العائدين للاضطهاد. الاجتماعات اللبنانية–السورية الأخيرة في بيروت بدت مشجّعة لجهة مقاربةٍ «ندّية» تعطي الملفّ دفعةً عملية. ويستدعي المسار أيضًا:
• تمويلًا عربيًا ودوليًا لتهيئة المناطق المستقبِلة داخل سوريا.
• رفع معدّلات إعادة التوطين في دولٍ ثالثة للفئات غير القادرة على العودة.
• استمرار الدعم للبنان لتعزيز قدرات مؤسّساته الأمنية والإدارية، بما يحمي المصلحة الوطنية ويُثبّت استدامة العودة.

التحوّل في رغبة العودة (25%) نافذةٌ زمنية ينبغي اغتنامها. بخطةٍ لبنانية موحّدة تُنظّم الداخل، وتستثمر إشارات الداخل السوري، وتفعّل الشراكات العربية والدولية، يمكن تحويل ملف النزوح من عبءٍ مستدام إلى عودةٍ مستدامة تحفظ كرامة العائدين وتعيد للبنان توازنه.