شكّلت تفجيرات أجهزة الاتصالات المحمولة التي وقعت في 17 أيلول/سبتمبر 2024، وما أعقبها في اليوم التالي من تفجير أجهزة لاسلكي في مناطق متفرّقة، نقطة تحوّل نوعية في أساليب العدوان المسلّح على لبنان. طبيعة الوسيلة المستخدمة، وتوقيت التشغيل المتزامن، ونطاق الأذى الواسع الذي أصاب مدنيين داخل أماكن عامة ومستشفيات، تضع الواقعة ضمن أكثر الملفات صلاحيةً لإعمال قواعد القانون الدولي الإنساني ومسؤولياته الجزائية والمدنية.

تقوم الوقائع، بحسب المعطيات المتقاطعة آنذاك، على إدخال عبوات شديدة الانفجار وصواعق مخفية داخل بطاريات آلاف أجهزة النداء التي وصلت عبر سلاسل توريد تجارية. جرى تشغيل التفجير على نحو متزامن في 17 أيلول، ما أسفر عن قتلى وجرحى بالعشرات والآلاف تباعًا، بينهم أطفال وعاملون صحيون ومارة في الشوارع والمتاجر، ثم تكرّر الأسلوب في 18 أيلول مع أجهزة لاسلكي. تميّزت الواقعة بأن وسيلة الإيذاء استهدفت أشخاصًا يحملون أداة مدنية ظاهرًا، وبأن الانفجارات وقعت في بيئات مدنية مكتظة، بما في ذلك مرافق طبية.

الإطار القانوني الواجب التطبيق

يحكم النزاع المسلح على الأراضي اللبنانية القانون الدولي الإنساني (قواعد جنيف العرفية ونصوص البروتوكولات الإضافية ومبادئ لاهاي)، بما يفرض:
• مبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين، وحظر توجيه الهجمات إلى المدنيين أو الأعيان المدنية.
• حظر الهجمات العشوائية أو الأساليب التي لا يمكن قصر آثارها وفق مقتضيات التمييز.
• مبدأ التناسب وواجب الاحتياطات في الهجوم لتقليل الأضرار العرضية إلى أدنى حدّ ممكن.
• حظر وسائل وأساليب القتال المخادعة التي تتخذ شكل «أفخاخ» داخل أشياء ذات استعمال مدني محض، متى كان أثرها المرجّح إصابة المدنيين.
• حظر الأسلحة أو الوسائل التي تسبب آلامًا ومعاناة مفرطة أو غير ضرورية قياسًا بالغرض العسكري المباشر والمحدد.
حتى مع الجدل المعروف حول انضمام الدول لأدوات تعاهدية بعينها، تبقى هذه القواعد في جوهرها عرفية وملزمة، وتُعدّ خرقها جريمة حرب متى توافرت أركانها المادية والمعنوية.

التكييف القانوني للأفعال

1. هجوم موجّه إلى المدنيين/عشوائي بطبيعته
إخفاء متفجّرات داخل أجهزة مدنية تُحمل وتُستخدم في الحياة اليومية، وتشغيلها على نطاق واسع في فضاءات عامة ومستشفيات، يجعل النتيجة المتوقّعة إصابة المدنيين على نحو واسع النطاق. حتى لو زُعم أن بعض الحائزين للأجهزة منخرطون عسكريًا، فإن الآلية المختارة لا تسمح بالتمييز الفردي وقت التفجير، فتغدو عشوائية في حكم القانون، وتُصنّف كجريمة حرب.
2. انتهاك مبدأ التمييز واشتراط «المشاركة المباشرة في الأعمال العدائية»
الانتماء التنظيمي أو الوظيفة غير القتالية لا ينزع الحماية المدنية. الاستهداف مشروع فقط عند مشاركة مباشرة وفعلية ومحددة في الأعمال العدائية. تفجير أجهزة يحملها أفراد في غير ساحة قتال، وبينهم قصّر وعاملون صحيون، يخرق هذا الشرط بصورة فادحة.
3. انعدام التناسب والإخلال بالاحتياطات
حتى بافتراض هدف عسكري يتمثل في تعطيل قنوات اتصال خصمٍ مسلح، كان ممكنًا – تقنيًا وعمليًا – اللجوء إلى تعطيل إلكتروني/تشويش أو إجراءات غير قاتلة. اختيار وسيلة تفجير تُضاعف الأذى الجسيم والمتوقّع للمدنيين يطيح بميزان التناسب ويكشف غياب الاحتياطات الممكنة عمليًا لتقليل الضرر.
4. حظر «الأفخاخ» والوسائل الخداعية في أشياء مدنية
زرع متفجرات داخل بطاريات أجهزة نداء/اتصال تتداولها أوساط مدنية يندرج في دائرة الأفخاخ الخداعية المحظورة متى استهدف حمل المدنيين – بحكم الاستخدام الطبيعي – على التعامل معها. هذا الاستخدام يخرق قواعد الوسائل والأساليب المشروعة للقتال.
5. القصد الجنائي والعنصر المعنوي
التخطيط الطويل، تصنيع مكونات متفجرة مموّهة، واختيار رسالة/إشارة تشغيل تحثّ على اقتراب الجهاز من الوجه واليدين، كلّها عناصر تقرّب الاستنتاج بوجود قصدٍ مباشر أو قصد إحتمالي بإحداث أذى بالغ لغير المقاتلين، بما يستوفي الركن المعنوي لجرائم الحرب.

الضرورة ليست رخصةً مطلقة. يجب أن تكون مباشرة ومحدّدة ومتناسبة في كل عملية، وأن تُنفّذ بأقل وسائل الإيذاء الممكنة. الغاية العامة كـ«إضعاف الخصم» أو «خفض معنوياته» لا تكفي بذاتها. وحيث يتوفر بديل غير قاتل (تعطيل، تشويش، اعتراض)، فإن اختيار وسيلة قاتلة واسعة الأثر يسقط ادّعاء الضرورة ويُظهر هندسة مقصودة للأذى.

المسؤولية الدولية والجنائية

هنا يمكن الحديث عن:

• مسؤولية الدولة عن فعل غير مشروع دوليًا، مع التزامات وقف الانتهاك وجبر الضرر (تعويض/اعتذار/ضمانات عدم التكرار).
• المسؤولية الجنائية الفردية للقادة ومنفّذي العملية، متى ثبتت صلتهم السببية والأوامر أو الإشراف أو الإقرار. مبدأ مسؤولية القادة يسري عند العلم أو وجوب العلم وعدم اتخاذ التدابير اللازمة للمنع أو المعاقبة.

اما في ما خصّ قنوات التقاضي فهناك:
1. الولاية الوطنية: القضاء اللبناني يملك اختصاصًا على الجرائم المرتكبة على إقليمه أو التي طالت رعاياه، مع إمكان توصيف الوقائع كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحسب التكييف.
2. الاختصاص العالمي: يمكن لضحايا يحملون جنسيات أجنبية – أو حيث تُجيز قوانين بعض الدول ممارسة الولاية العالمية – تحريك دعاوى جنائية ضد المشتبه فيهم، متى استوفت الشروط الإجرائية.
3. المحكمة الجنائية الدولية: إمكان إعلان قبول اختصاص خاص (إعلان بموجب المادة 12(3)) أو الانضمام اللاحق يفتح باب الإحالة للنظر في الجرائم الخطيرة المرتكبة على الأراضي اللبنانية، دون مساس بمسارات القضاء الوطني.
4. المسارات غير القضائية: آليات أممية خاصة (إجراءات المقررين الخاصين)، لجان تحقيق تقصي الحقائق، وإجراءات عقوبات موجّهة (إفرادية) بحق من تتثبت مسؤوليتهم.

لنجاعة التقاضي، ينبغي الشروع فورًا في:
• توثيق تقني-جنائي لمكونات الأجهزة المتفجرة، مع سلسلة حيازة دقيقة (Chain of Custody).
• جمع المواد الطبية (تقارير إسعاف وتشريح وصور الأشعة) وربطها زمنيًا بمكان التفجير.
• توثيق المشهد المكاني (خرائط، صور، كاميرات مراقبة) لإظهار الكثافة المدنية وقت الانفجار.
• شهادات أطقم طبية ومتضررين، وتثبيت صفة الضحية (مدني/غير مشارك).
• أرشفة البيانات الرقمية (رسائل/تنبيهات/أكواد تشغيل) التي سبقت التفجيرات أو رافقتها.
• طلب مساعدة قضائية متبادلة من الدول التي مرّت عبرها سلسلة التوريد (مصانع، شركات واجهة، شحن).

إنّ الوقائع الموصوفة تُكوّن، في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني، هجومًا عشوائيًا وغير متناسب استُخدمت فيه أفخاخ داخل أدوات مدنية، وأدّى إلى قتل وإصابة أعداد كبيرة من المدنيين داخل أماكن عامة ومرافق طبية. وعليه، تُطالَب الجهات المختصة بـ:
• فتح تحقيق قضائي شامل بتكييف جرائم حرب، وتسمية المشتبه فيهم وفق تسلسل القيادة والتوريد والتنفيذ.
• اتخاذ تدابير تحفظية على الأدلة ومراسلة الجهات الأجنبية ذات الصلة بسلاسل التوريد.
• تمكين الضحايا من سلوك مسارات التعويض، داخلًا وخارجًا، بما في ذلك الولاية العالمية حيثما أمكن.
• درس خيارات الاختصاص الدولي، سواء عبر إعلان قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية أو الانضمام إليها، وحشد الدعم لآلية تحقيق دولية مستقلة.

بهذا التكييف، لا يُترك الفعل الاستثنائي بلا توصيف أو مساءلة: إنّه نموذج مكتمل الأركان لانتهاكٍ جسيم لقوانين الحرب، واختبارٌ لمدى قدرة المنظومة القانونية على ردّ الاعتبار للضحايا وردع تكرار الأساليب التي تُحوِّل الأشياء اليومية إلى أدوات قتل جماعي.