تحوّلت ساحة القتال إلى مختبرٍ لوسائل تدمير جديدة: مركباتٌ مُفخخة تُقاد عن بُعد، تُحدِثُ عند تفجيرها ما يشبه الزلزال بقوة سبع درجات، وتُساق وسط أحياءٍ مأهولة لتُسقط واجهاتٍ بكاملها وتُمهد تقدّم القوات الإسرائيلية. جوهر الفكرة بسيط وقاسٍ: تقليل الاحتكاك المباشر بين الجنود والمقاومين، وخفض كلفة التشغيل مقارنة بالطيران والقصف الصاروخي التقليدي، مع قدرة تدميرية تُعادل ما تحققه طلعاتٌ جوية متعددة وقنابل صاروخية متتابعة. هكذا تتبدّل معادلة المخاطرة والوقت والمال، بينما تدفع الأحياء المدنية ثمناً مُضاعفاً.


تؤكد شهادات ميدانية وتقارير إعلامية أنّ الجيش الإسرائيلي يعيد تدوير مركباتٍ مدرّعة وناقلات جنود قديمة، بعد تحويلها إلى منصّاتٍ للمتفجرات تُقاد آلياً وتُفجَّر عن بُعد. هذا الاستخدام، الذي تزايد بمعدلاتٍ يومية قد تبلغ أكثر من عدة وحدات في اليوم الواحد، خلّف دماراً واسعاً في شمال غزة وجنوبها، وفتح الطريق أمام قواتٍ برية تتقدّم فوق ركامٍ سُوّيت به كتلٌ عمرانية كاملة.


عسكرياً، تُصنَّف هذه المقاربة ضمن سياسة «الأرض المحروقة»: أثرٌ صاعقٌ وسريع يُراد له أن يخلخل أي دفاعاتٍ قائمة. غير أنّ خبراء ينتقدونها بوصفها خروجاً على الأعراف والأخلاقيات الحربية؛ فالدفع بمركبات قديمة مُحمّلة بأطنان المتفجرات، مثل ناقلة الجند M113، يُنتج دوائر تأثيرٍ قاتلة: نصف قطرٍ أول يقارب 150 متراً بعنفٍ شديد، وثانٍ يمتد حتى 300 متر. الأثر لا يقتصر على الهدف العسكري، بل يشمل كل ما يندرج ضمن هذا النطاق من بشرٍ وبنى ومنشآت.


على الأرض، تتبدّى النتائج في صورٍ إضافية من الترهيب والشلل: شوهدت مركباتٌ تقف لساعاتٍ قرب مبانٍ سكنية قبل تفجيرها، ما يزرع الذعر بين الأهالي ويقيّد إمكانات الإجلاء الآمن. تُفيد تقارير الدفاع المدني بأنّ مناطق بأكملها تُمحى، فتتعذّر الاستجابة العاجلة وإنقاذ العالقين تحت الأنقاض. ومع كل تفجيرٍ تتسع دوائر النزوح، ويتعمّق خراب البنية التحتية: مستشفياتٌ ومساكن، وشبكاتُ ماءٍ وكهرباء تُقصف معاً، في مسارٍ يضغط على المجتمع ويفكّك مقومات الحياة.


يقول مقاتلون من جيش العدو إنّ «المقاومة لا تُدمَّر كما تُدمَّر دبابة أو جرافة»، لكن الوسيلة الجديدة لا تستهدف العتاد وحده؛ إنها تُعيد تعريف ميدانٍ كاملٍ بضغطة زر. وفيما تُبرَّر التقنية باعتبارات الكلفة والمخاطرة والسرعة، تبقى محصلتها الفعلية سلسلةَ فراغاتٍ عمرانية وبشرية، تتزايد كلما طال زمن استخدام هذه الروبوتات المتفجّرة واكتمل مشهد «الأرض المحروقة».