لم يعد السؤال إن كانت العلاقة بين مايكروسوفت والجيش الإسرائيلي تعاونًا مُنسّقًا ومعلنًا أم استعمالًا أحاديًا بلا علم الشركة؛ في الحالتين معًا انتهى الأمر بقرار صريح: تعطيل وصول الجيش إلى خدمة «أزور» للتخزين السحابي وبعض برمجيات الذكاء الاصطناعي. جاء ذلك بعد تحقيق داخلي قادته الشركة، وأكّد رئيسها براد سميث —في بيان نُشر على موقع مايكروسوفت— ما ظلّ ناشطون يحذّرون منه لأشهر: سياسات الشركة لا تُجيز استخدام منتجاتها لتسهيل المراقبة العامة للمدنيين، وأن مبدأ حماية الخصوصية هو البوصلة الحاكمة لقراراتها.
هذا التحوّل لم يولد من فراغ. فالاحتجاجات داخل الشركة، ومعها موجة استقالات، دفعت الإدارة إلى حافة المواجهة. بدل الاستجابة لمطالب العاملين، دعت، بحسب ما تداوله المحتجّون، السلطات إلى توقيف بعضهم، وأنهت خدمات آخرين، رغم أن المعطيات المتعلقة باستغلال تقنيات الشركة كانت قد وصلت إلى إدارتها —أقلّه في الفترة الأخيرة— بصورة لا تحتمل التأجيل.
على الضفة المقابلة، كانت الصحافة الاستقصائية تُراكم الأدلة. فـتحقيق مطوّل نشرته «الغارديان» مطلع الشهر الماضي كشف أنّ صلة الجيش بمايكروسوفت تعود إلى عام 2002، حين بدأ تخزين مكالمات المدنيين الفلسطينيين سحابيًا عبر «أزور» بقدرة تخزين قيل إنها تبلغ مليون مكالمة في الساعة. لاحقًا، بُنيت منظومة تقنية كاملة فوق «أزور»، واستُخدمت خوارزميات ذكاء اصطناعي طُوِّرت بالتعاون مع مايكروسوفت لاستخلاص معلومات استخباراتية من هذا المخزون، حدّدت أهدافًا للغارات والاغتيال خلال العامين الماضيين من الحرب على غزة.
يرى ناشطون وخبراء أن خطوة مايكروسوفت واحدة لكنها مفصلية: المعلومات كانت تتسرّب على مدى عام، والاحتجاجات الداخلية وثّقت تواطؤ التكنولوجيا الأميركية في جرائم تُرتكب بحق الفلسطينيين. ويقرأ هؤلاء القرار ضمن مناخ أوسع يتّسع فيه الاعتراف الدولي بـحقوق الفلسطينيين، مع تصاعد الحديث، في نيويورك وعواصم أخرى، عن وصف قانوني لجرائم الإبادة الجماعية.
يبقى السؤال الأوسع: كيف ستنعكس هذه السابقة على شبكة العلاقات المتشعّبة بين إسرائيل وعمالقة التكنولوجيا في الولايات المتحدة، من المختبرات البحثية إلى منصّات الإعلان؟ هنا يبرز مثال حديث: وقّعت «غوغل» عقدًا بقيمة 35 مليون دولار مع مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لنشر إعلانات لصالح إسرائيل، قيل إن هدفها الترويج للحرب في غزة وإنكار الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين. إذاً، التعاون المعلن والمستتر بين شركات التكنولوجيا والآلة العسكرية الإسرائيلية ليس سرًّا جديدًا؛ ولعلّه كان ليستمر مع مايكروسوفت لولا ضغط الداخل وما كشفته التحقيقات للرأي العام، فضلًا عن عزلةٍ متزايدةٍ تعيشها إسرائيل تشجّع على إعادة الحسابات.
ما حدث، في المحصلة، ليس مجرّد قرار تقني بإغلاق مفاتيح وصول. إنّه انتقال في ميزان الأخلاق المؤسسية: من تبرير «الحياد التكنولوجي» إلى الاعتراف بأن الأدوات الرقمية تصنع وقائع على الأرض — تُراقِب وتُصنّف وتُميت. وبين «أزور» وواجهات الذكاء الاصطناعي، خرجت مايكروسوفت لتقول إنها لا تريد أن تكون خادماً عاماً للمراقبة الشاملة. أمّا الاختبار التالي فسيمرّ عبر الشركات الأخرى: هل تُراجِع «وادي السيليكون» تعاقداته حين تتحوّل التقنيات إلى ذراع حرب؟ أم يظلّ الاستثناء قاعدةً تُدار بالضغط حينًا، وبالفضائح حينًا آخر؟


