على مسافة موجتين من غزة، توقّفت رحلة إنسانية عند حاجزٍ مسلّح. هناك، اعترضت القوات الإسرائيلية قوارب «أسطول الصمود العالمي» ومنعتها من بلوغ القطاع المحاصر. وسط الارتباك الذي أعقب الإنزال القسري، برز اسمان لبنانيان: لِنا الطبال ومحمد القادري، وكلاهما ما زال مصيره مجهولًا حتى لحظة كتابة هذه السطور.


من طرابلس والبقاع إلى قلب العاصفة

تنتمي لِنا الطبال إلى طرابلس، وتحمل خبرة في القانون الدولي، وتوصف بنشاطها الحقوقي، كما أنّها حاصلة على الجنسية الفرنسية. أمّا محمد القادري فهو من بلدة غزة في البقاع الغربي، مولود في ساو باولو البرازيلية لأبوين لبنانيين مهاجرين، ومعروف بانتسابه العلني إلى المبادرات الداعمة لفلسطين. يجمع بين الراكبين مساران شخصيان مختلفان، لكنّهما التقيا على قاربٍ واحد: مهمة مدنية–إنسانية أرادت إيصال المساعدات وكسر طوق العزلة عن غزة.


متابعة دبلوماسية ومرافعات مهنية

أكدت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية أنّها تتابع قضية توقيف الطبال والقادري، وتجري الاتصالات اللازمة لمعرفة مصيرهما والعمل على تأمين الإفراج عنهما في أقرب وقت. بالتوازي، أعلنت نقابة المحامين في طرابلس، التي تنتسب إليها لِنا، أنها شرعت باتصالاتٍ مع منظمة المحامين الدولية والاتحاد الدولي للمحامين لحشد الدعم القانوني والمهني، وفق ما أفاد النقيب سامي الحسن. هذه الجسور الدبلوماسية والمهنية لا تضمن نتيجةً سريعة، لكنها تُبقي حقّ النفاذ إلى المعلومات والتمثيل القانوني قيد المطالبة العلنية.


واقع احتجازٍ يتّسع… وتطمينات لا تُقنع

لا تقف القصة عند اسمين. إذ انسحب المصير المجهول على عددٍ كبير من الناشطين الذين كانوا على متن القوارب، وقد أُفيد عن احتجازهم في سجن النقب. في المقابل، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية أنّها رحّلت أربعة إيطاليين فقط من أصل نحو 1500 محتجز، وأن «الجميع في طور الترحيل وبأمان وبصحة جيدة». غير أنّ المشهد الميداني لم يعكس ما توحي به هذه اللغة المطمئنة، خصوصًا بعد جولةٍ استفزازية لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، من ميناء أشدود وصولًا إلى السجن، رافقها وصف المحتجزين بـ«الإرهابيين» واتهامهم بتقديم المساعدة «غير المشروعة». هكذا، تزداد الهوّة بين الخطاب الرسمي والصورة على الأرض: وعدٌ بالسلامة يقابله تعنيف لغوي وسياسي يشي بعكسه.


أيّ قانون يحكم البحر المفتوح؟

في المياه الدولية، تُعدّ حرية الملاحة قاعدةً أصيلة في القانون البحري الدولي. والأصل أنّ دولة العَلَم هي صاحبة الولاية على السفينة، ولا يجوز اعتراضها إلا في حالات محدّدة بوضوح: كحالات القرصنة، أو التهريب المسلّح، أو الاشتباه بأن السفينة بلا جنسية، أو إذا توافرت أدلة جدّية على نقل أسلحة أو تورّط في نشاطٍ عسكري. لهذا، تستند منظمات حقوقية ودولية، تابعت الرحلة، إلى هذه القاعدة للمطالبة بـالإفراج الفوري عن جميع المحتجزين الذين كانوا في مهمة سلمية وإنسانية بحتة.
 المبدأ بسيط: لا اعتراض بلا سند قانوني واضح، ولا شرعية لإجراءات تُحوّل البحر المفتوح إلى منطقة تفتيش دائمة لمبادرات الإغاثة المدنية.


بين حقّ التضامن وواجب الشفافية

تضع حادثة الأسطول الرأي العام أمام اختبارٍ مزدوج: حقّ الأفراد في التضامن السلمي عبر البحر، وواجب السلطات، أيًّا تكن، في الشفافية والإجراءات الأصولية. فالمعايير الدولية لا تكتفي بمنع الاعتراض غير المشروع؛ بل تُلزم، عند وقوع الاحتجاز، بضمان الاتصال الفوري بالقناصل، والإبلاغ عن مكان توقيف الأفراد، والسماح بـزيارة محامين، وتأمين ظروف احتجاز لائقة. هنا، يكتسب ملف لِنا الطبال صفةً إضافية بحكم حملها الجنسية الفرنسية، ما يستتبع تلقائيًا مسارًا قنصليًا موازيًا تُفترض متابعته من باريس، من دون أن ينتقص ذلك من الأولوية اللبنانية في رعاية مواطنيها.


رواية الأسطول… ورواية الاعتراض

بحسب المنظمين، حمل «أسطول الصمود العالمي» على متنه إمدادات طبية وغذائية وناشطين قادمين من بلدانٍ متعدّدة، سعوا للوصول إلى غزة بوسائل سلمية معلنة. الرواية المقابلة تعتبر ما جرى تطبيقًا لإجراءات أمنية تمنع «خرق الحصار»، مع «عرض» نقل المساعدات عبر «قنواتٍ أمنية» بديلة. لكنّ جوهر الخلاف لا يحسمه الادّعاء اللفظي: فإذا كان المسار إنسانيًا معلنًا، والمياه دولية، والقوارب مدنية، فإنّ عبء الإثبات يقع على جهة الاعتراض لتقدّم قرائن واضحة تبرّر التوقيف والمنع.


ما الذي يتعيّن على بيروت فعله الآن؟

أمام وزارة الخارجية اللبنانية مساراتٌ عملية متزامنة:

  1. التثبّت الرسمي من مكان الاحتجاز وحالة الطبال والقادري، وتاريخ نقلهما ووجهتهما، وتمكينهما من الاتصال بعائلتيهما ومحاميهما.
  2. تفعيل القنوات القنصلية عبر سفارات لبنان المعنية، والتواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لمتابعة زياراتٍ إنسانية عاجلة.
  3. الاستعانة بالهيئات المهنية—كـ«الاتحاد الدولي للمحامين»—لتوفير مذكّرات قانونية تُذكّر بالضمانات الواجبة في القانون الدولي البحري وقواعد الاحتجاز.
  4. العمل المنسّق مع حكومات الدول التي يحمل المحتجزون جنسياتها، لخلق مظلّة ضغط إنسانية–قانونية تُسرّع الإفراج.

هذه الخطوات لا تُصنّف في خانة «المجاملات الدبلوماسية»، بل في صلب حماية المواطنين وصون حرية العمل الإنساني.


لم تكن حادثة الأسطول الأولى من نوعها، ولن تكون، على الأرجح، الأخيرة. فهي تقع عند تقاطع حاجتين متناقضتين: حاجة المجتمع المدني العالمي لملء فراغ الاستجابة الإنسانية في غزة، وحاجة السلطات الإسرائيلية إلى تقييد أي مسار مستقل يلتفّ على قيود الحصار وإجراءاته. في هذا التوتر، يصبح البحر مرآةً للصراع: من يملك حقّ الوصول إلى المكان المحاصر؟ ومن يملك حقّ منعه؟ القانون الدولي يجيب بوضوح حين تتكشّف الوقائع، لكنّ الفجوة الزمنية بين الانتهاك والحكم تظلّ مؤلمة على من هم خلف القضبان.


في زحمة الأرقام والبيانات، يجب أن لا تضيع الأسماء: لِنا الطبال، المحامية والناشطة التي اختارت أن تضع خبرتها في خدمة مسارٍ إنساني، ومحمد القادري، ابن البقاع الذي حمل صورته ورايته من البرازيل إلى لبنان فأربعاء البحر. قصتهما ليست تفصيلًا، بل اختبارٌ قانوني وإنساني لمكانة الحقّ في زمنٍ ضيّق.
 المطلوب الآن معلومة رسمية صريحة عن مصيرهما، وإجراءٌ قانوني سليم يضمن الإفراج عن جميع من جرى توقيفهم في تلك الحملة، احترامًا لقاعدةٍ لا ينبغي أن تُساوَم: البحرُ ليس سجنًا، والعمل الإنساني ليس جريمة.