عاد اسم حبيب الشرتوني، المطلوب  في قضية اغتيال الرئيس بشير الجميّل، إلى الواجهة من بوابةٍ قضائية هذه المرة. فقد بادر وزير العدل عادل نصّار، خلال اجتماعه بوفدٍ أمني–قضائي سوري زار بيروت، إلى طلب تزويد لبنان بما لدى الجانب السوري من وثائق ومعطيات تخصّ سلسلة الاغتيالات التي شهدها البلد منذ الحرب اللبنانية، وصولًا إلى اغتيال لقمان سليم. وبينما تتشكّل قنوات متابعةٍ عملية، برزت إشارةٌ سوريّة إلى تلف أجزاءٍ من الأرشيف المرتبط بملفات لبنانية، ما يفرض مسارًا مزدوجًا بين ما يمكن استعادته من مستندات وما يلزم جمعه من أدلّة بديلة.


محاور المتابعة الثلاثة… بتسلسلٍ مُعاد ضبطه


1. المفقودون في سوريا: مسارٌ إنساني يستدعي أدوات قانونية

انطلاقًا من طابع الملف الإنساني، شدّد الجانب اللبناني على تفعيل عمل اللجنتين المعنيّتين بالمفقودين في سوريا. عمليًا، يتطلّب هذا المسار تحديث اللوائح والتحقّق من المصائر، وتمكين العائلات من الوصول إلى حقيقةٍ موثّقة. تشغيليًا، تُعدّ سلاسل الحيازة على الوثائق (Chain of Custody) والحقّ في النفاذ إلى المعلومات عنصرين لازمين، بما يضمن أن أيّ بياناتٍ تُسلَّم لاحقًا تكون صالحة للاستخدام القضائي أو الإداري.

2. فتح أرشيف الاغتيالات: من بشير الجميّل إلى لقمان سليم

طلبت بيروت الاطلاع على ما يتوافر لدى دمشق حول الأعمال الأمنية التي طاولت شخصيات لبنانية، بينها  بشير الجميّل، الرئيس رينيه معوّض، بيار الجميّل، جبران تويني، أنطوان غانم، ووليد عيدو. قانونيًا، إن قابلية الوثائق للاعتماد ترتبط بسلامة مصدرها وتاريخها وكيفية حفظها، وهو ما يقتضي توضيحاتٍ تقنية تُرفق بأي مواد، كي تُستثمر لاحقًا في الملاحقة أو التقييم القضائي داخل لبنان.

3. الفارّون من العدالة: التثبّت من الوجود والإجراءات اللاحقة

تناول النقاش التحقّق من وجود مطلوبين على الأراضي السورية، وفي مقدّمهم حبيب الشرتوني، واتخاذ ما يلزم بحسب القنوات القضائية المختصّة. إجرائيًا، تتراوح الخيارات بين الاسترداد حيث أمكن، أو التبليغ والتنفيذ الغيابي، أو تنظيم مذكّرات بحث وتحرٍّ محدثة، وكلّها تستدعي تنسيقًا قضائيًا مباشرًا وتبادلًا للبيانات التعريفية وسجلات الحركة.


إشارة موازية: دراسة إمكان نقل موقوفين سوريين من لبنان

على الهامش، جرى بحثٌ أوّلي في إمكان نقل عددٍ من السجناء السوريين الموقوفين في لبنان إلى سوريا. هذا المسار، إن تقدّم، يحتاج إطارًا إجرائيًا صلبًا يضمن الحقوق الأساسية للموقوفين، ويحدّد بوضوح آليات التسليم والاختصاص.


اندفاعةٌ للمتابعة… ومعضلة الأرشيف المُتلف

وأبدى الوفد السوري استعدادًا لبدء مراجعة الدلائل المطلوبة تسريعًا للمسار. في المقابل، نُقل أنّ ضباطًا وعناصر من «النظام السابق» أتلفوا، عشيّة السقوط ومغادرة مقارّ حكومية وأمنية، كميةً كبيرةً من المستندات المتصلة بملفاتٍ لبنانية. هذه الإشارة تعني أنّ الاستجابة قد تأتي جزئيةً، وأنّ البناء القضائي سيتّكئ على ما نجا من الأرشيف إضافةً إلى الشهادات والأدلّة الموازية (سجلات معابر، بيانات اتصالات، مطابقة تواريخ وتحركات)، بما يحفظ سلامة الإثبات ويُراعي الفجوات.


متابعة مفتوحة وتعهّد بالردّ

انتهى الاجتماع على قاعدةٍ عملية: عودة الوفد إلى مراجعة داخلية في دمشق، ثم التواصل مجددًا مع وزارة العدل اللبنانية لإبلاغ نتائج المشاورات وما أمكن جمعه من لوائح ووثائق. زمنيًا، يعني ذلك أنّ الكرة باتت في ملعب الأجهزة العدلية والأمنية السورية المختصّة، فيما تبقى القنوات بين بيروت ودمشق مفتوحة لاستقبال أيّ مستجدات.


دلالات المسار: قانونٌ يبحث عن أدلة… وسياسةٌ تختبر النيات

قضائيًا: تحوّل الملف من خطابٍ سياسي إلى طلبٍ رسمي موثّق يُعيد ترتيب الأولويات على أساس الحجّة القابلة للتقاضي. إدراج الشرتوني بالاسم يؤشّر إلى رغبةٍ في تحريك ملفاتٍ مجمّدة وتحديث أدوات الملاحقة، مع التزامٍ بمتطلبات التسبيب وسلامة الأرشفة.

سياسيًا: يُضاف هذا المسار إلى سجلّ العلاقات بين بيروت ودمشق. مقدار الانخراط السوري وسرعة الاستجابة ونوعية ما سيُقدَّم من موادّ، كلّها ستنعكس على مزاج الداخل اللبناني وعلى تقييم المشهد الإقليمي للعلاقة بين الطرفين.


ماذا بعد؟ سيناريوهان واقعيان

1.توافر مادةٍ أرشيفية قابلة للاستخدام، ولو جزئيًا، تفتح الباب أمام مذكّرات واستدعاءات وتحديث مسارات التقاضي.

2.اتّساع الفجوة الأرشيفية بفعل التلف السابق، بما يفرض تحويل الجهد نحو بدائل الإثبات، مع إبقاء ملف الفارّين والمفقودين في مقدّمة المتابعة.


بمبادرة وزارة العدل، عاد ملف الاغتيالات إلى الضوء كقضية إجرائية لا شعارًا سياسيًا: طلبٌ واضح، متابعةٌ مُعلَنَة، ومعضلةُ وثائق تحتاج إلى إدارةٍ دقيقة. الامتحان الفعلي سيظهر في حجم ونوعية ما ستضعه دمشق على الطاولة، وفي قدرة بيروت على استثمار كلّ معلومةٍ متاحة من دون الإخلال بحساسيّات الداخل أو مقتضيات العدالة. وبين الحقّ العام وذاكرة الضحايا، يبقى الهدف واحدًا: تحويل الروايات إلى أدلّة، والأدلّة إلى مسارات قضائية تُنصف الحقيقة. لكن هل تعني خطوة وزير العدل هذه اتهام دمشق بالاغتيالات كلها، ما يعني اسقاط الشبهات والاتهامات السياسية عن أطراف داخلية حملت اعباء جرائم، ربما لم ترتكبها؟