أصدر وزير العدل القاضي عادل نصّار، الأسبوع الماضي، التعميم رقم 1355، طالبًا من كتّاب العدل الامتناع عن إنجاز معاملات الأشخاص المدرجين على قوائم عقوبات أجنبية. الإعلان لم يكن مجرد إجراء إداري تقني؛ بل تطوّر سريع دفع المجتمع القانوني والمهني إلى الصدام. انعقد اجتماع طارئ لوزير العدل مع مجلس كتّاب العدل لشرح الصيغة والردّ على الملاحظات، لكنّ كثيرين خرجوا منه أكثر قناعة بأن التعميم يتجاوز خطّ الحماية إلى عالم التقييد.


يُروَّج للتعميم بحجّة وقائية تبدو منطقية على المستوى العام: منع إدراج لبنان على قوائم سوداء وقطع الطريق أمام محاولات تبييض الأموال عبر صفقات عقارية أو تجارية. لكنّ الحجّة تنهار أمام واقع الصياغة: النص لم يقتصر على «المعاملات ذات الطابع المالي» بل شمل «المعاملات والوكالات» على نحوٍ عموميّ يوسع نطاق التطبيق ليطال معاملات يومية وأهلية قانونية أساسًا. وهنا تظهر المشكلة: ما كان من المفترض أن يكون أداة رقابة تحوّل إلى آلة إقصاء إداري يمكن أن تُسقط أهلية مواطن لمجرّد إدراج اسمه على قائمة أجنبية، من دون أي حكم قضائي.


قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44/2015 يضع على عاتق فئات مهنية، من بينها كتّاب العدل،  واجب «العناية الواجبة» والإبلاغ عن العمليات المشبوهة. لكنه لا يمنح هذه الفئات صفة قاضٍ أو محقّق جنائي تفصل في أهلية المدّعى عليهم أو تحرمهم من حقّ التعاقد ونقل الملكية إلا بعد حكم قضائي محلي. المادة 6 وما يتفرّع عنها تؤكد أن الجهات غير المصرفية مطالبة باتخاذ تدابير تحققٍ وإجراءات عناية، لكنها لا تحولها إلى جهاز يبتّ في الحقوق المدنية. لذلك، يرى الفقه أن التعميم يضيف شروطًا وقيودًا لا سند لها في القانون ويعرضه للطعن أمام مجلس شورى الدولة.


الأخطر أنّ التطبيق الفعلي للتعميم يضع كتّاب العدل في مأزق مهني وقانوني: هل يصير كاتب العدل مسؤولًا عن تعطيل معاملة استدعى الأمر لاحقًا إبطال الإجراء لبراءة الطرف؟ أم يعود القبول بالمخاطرة والمساءلة الشخصية؟ هاتان الخِصمتان تُظهران أن التعميم لا يحمى فقط النظام المالي بل قد يُستغل سياسياً أو يُطبَّق تفاوتيًا تبعًا لاجتهادات فردية، فتتبدّل العدالة إلى لعبة اجتهادات إجرائية متباينة.


من ناحية دستورية، لا يجوز لوزير أن يستبدل مسار المحاكمة أو قرار الحجز الدولي بقرار وزاري يُسلب بموجبه المواطنين أهليةً قانونية. تحويل قوائم خارجية إلى معيار مباشر لتقييد الحقوق الوطنية دون حكم محلي يعني استيراد آليات عقابية أجنبية إلى النظام اللبناني بلا ضمانات، وهذا يتعارض مع مبدأ حماية الحقوق والحق في الدفاع. كما أن إعاقة حق التملك والتعاقد عبر تعميم تنظيمي يُعدّ تقويضًا لأساسيات القانون المدني والضمانات القضائية.


 تنفيذ التعميم بصيغته الحالية سيؤدي إلى طوفان طعون أمام مجلس شورى الدولة وإلى موجة شكاوى وتعطيل معاملات مدنية مشروعة، إلى جانب تحمّل كتّاب العدل مسؤوليات قد تصل إلى الملاحقة. كما أن التطبيق العشوائي أو الواسع قد يوسّع الهوة السياسية والاجتماعية ويعطي ذريعة لمن يتهمون الإجراءات بالانتقائية.


 مكافحة غسل الأموال ضرورة وطنية ودولية لا جدال فيها، لكن حماية النظام المالي لا تُبرّر قضم الحقوق الأساسية بمرسوم إداري فضفاض. إذا كانت نوايا وزير العدل صادقة، فالأصل أن يُستند إلى قانون يجيز إجراءات محددة بآليات رقابية، لا إلى تعميم يغيّر طبيعة الحقوق ويترك آثارًا طويلة على ثقة الناس في منظومة العدالة. وإلا فإنّ «حماية الدولة» ستتحول إلى ذريعة لتقويضها من الداخل، و«إعدام الأهلية» سيبقى وصمة تحطّم ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها.