كان يُفترض بكفالة الـ14 مليون دولار التي سدّدها الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة، المتَّهَم قضائيًا والمُدان أخلاقيًا في الوعي العام، أن تُشكّل محطة محاسبة فارقة. غير أنّ الواقعة رسّخت ما بات بديهيًّا لدى اللبنانيين: في بيروت تُدار العدالة بمنطق السوق؛ أي أنها تُباع وتُشترى. أكياس المال اشترت حرية المدعى عليه، فيما اشترى سياسيون وقضاة صمتهم. وبذلك لا تكشف القضية قضاءً «فاشلًا» بقدر ما تؤكّد أنّ هذا القضاء يعمل «وفق التصميم» المفروض عليه. أي حمايةُ الأقوياء، ومعاقبة الضعفاء، وصونُ بنية الزبائنية.
خلف هذه الصورة يقف سجلّ ثلاثين عامًا نال خلالها سلامة حفاوةً في باريس وواشنطن بوصفه «صانع معجزات الاستقرار المالي»، قبل أن يظهر أن «الاستقرار» كان يُدار بمنطق بنية تُشبه الهرم الاحتيالي (Ponzi Scheme)عبر الاحتيال لاستجلاب الدولارات من الخارج بالتوازي مع تهريب النخبة السياسية للأموال نفسها. وعند انهيار العام 2019 قُيّدت ودائع اللبنانيين، فيما أمّنت النخبة تحويلاتها بأمان.
في آب/أغسطس 2023، فُرضت على سلامة عقوبات أميركية بموجب الأمر التنفيذي 13441 بتهمة ممارسات فساد «أسهمت في تقويض سيادة القانون في لبنان»، وتبعتها بريطانيا وكندا ودول أوروبية.
داخليًا، وُجِّهت إليه ظنون جرائم تبييض أموال وإثراء غير مشروع وتزوير وتآمر جرمي. ولو تحقّقت الإدانة لواجه الرجل عقوبات سالبة للحرية لسنوات، ما يجعل الكفالة، قانونًا، إجراءً احترازيًا لا «بوابةً ذهبية» للإفلات.
لغز الكفالة وتتبع المال
رغم تحديد الكفالة بـ20 مليون دولار، خُفّضت إلى 14 مليونًا بآلية غير مُفصّلة علنًا، لتغدو الأكبر في تاريخ القضاء اللبناني. لكن الدهشة لم تكن في الرقم بل في كيفيّة إمكانية تأمين مُعاقَب دولياً وذات حسابات مجمّدة وأصول مصادرة مبلغًا نقدية بهذا الحجم؟ تجلّى الجواب في مشهدٍ علنيّ: وصول الوكيل القانوني إلى قصر العدل بحقائب دولارات. لم تُطرح، وفق الرواية المتداولة، أسئلة تحقيقية حول المصدر المشروع للأموال أو امتثالها لأنظمة العقوبات، واكتُفي بالقبول، بما يشبه إلباس فعلٍ ذي شبهة مالية لباسَ إجراء قضائي «نظيف».
وبينما يصطف ملايين المودعين لسحب نحو 400 دولار شهريًا من ودائع مُقيّدة، أمكن لسلامة الإيفاء نقدًا بكفالة هائلة.
عملياً، تجسّد هذه المفارقة منطق الـ«عدالة بطبقتين»: فقرٌ مُنظّم للكثرة وحصانةٌ مُؤسّسة للقلة. وهنا يُثار سؤال امتثال بديهي: كيف ينجز من يُفترض أنّه مُقيَّد بالتعامل بالدولار دفعًا نقديًا بهذا الحجم؟
على مستوى تتبّع المال، تمتد الخيوط، بحسب مسارات معروفة في ملفات أوروبية وتقارير رقابية، إلى شبكة أوفشور متشعّبة، وتحويلات عبر وحدات مصرفية خاصة، وواجهات شركات في بنما وجزر فيرجن البريطانية، واستثمارات عقارية في باريس وميونيخ، مع دور لمصارف لبنانية مرتبطة ببيئات سياسية في تمرير التحويلات تحت لافتة «استثمارات». والمعنى الامتثالي لهذه الصورة أنّ منظومة ما قبل 2019 ما زالت تعمل، لكن لمصلحة من أقامها.
القضاء المُسيّس ومآلاته الاقتصادية
انكشفت «الهندسة القضائية على المقاس» حين حصر مدعي عام التمييز القاضي جمال الحجّار الملفّ في شبهة اختلاس تُجيز قانونًا إخلاء السبيل بكفالة، تاركًا التُّهم الأشدّ، كتبييض الأموال والإثراء غير المشروع المدعومة بمعطيات دولية، خارج الدفع الإجرائي. انتقائيةٌ لا تبدو صدفة تقنية بقدر ما تعكس حسابًا سياسيًا.
لكن يبدو أنّ حماية سلامة هنا تُقارب بوليصة تأمينٍ لطبقةٍ سيدمّرها «الكلام» الحرّ؛ فسلامة، «أمين خزينة» المنظومة. وهو يُمسك بأسرار الإيداعات والتحويلات والهندسات المالية، ومن ثمّ فحماية صمته ليست وفاءً شخصيًا بل ضرورة بنيوية. صحيح أنّ إخلاء السبيل تمّ ضمن شكلية قانونية تتضمن كفالة وشروطًا ومنع سفر لعام، لكن مظهر التنفيذ، بموكب مسلّح وتعاطٍ بروتوكولي، أنتج «شرعية مضادّة»: مُتهم يُعامَل كرأس سلطة.
اقتصاديًا ومؤسسيًا، تُعمّق حادثة الكفالة انهيار الثقة العامة، وتبث إلى المودعين رسالة قاسية مفادها أنّ العدالة ليست غائبة فحسب بل مُعادية لمظلوميتهم.
بالنسبة لسلامة، لا تقف الكفالة عند حدّ الحرية الإجرائية. بل إنّها ترجمةٌ تعاقدية لصمتٍ يحمي بنيةً كاملة. ما دام يُمسك بأسرار المنظومة، ستجنح المنظومة في تحييده.
وإلى أن تتّسع دائرة المساءلة وتُستعاد سيادة القانون، تبقى الرسالة فاقعة: في بلدٍ سليم، كانت حقائب الدولارات ستدفع إلى توقيفاتٍ فورية. لكن في لبنان، اشترت تلك الحقائب موكبًا مسلّحًا وتوقيع إخلاء سبيل وابتسامة شماتة بانهيار الدولة. المال الفاسد لا يُخفى في حسابات أوفشور فحسب، بل يُنقل، علنًا، إلى رحاب القضاء، كيسًا بعد كيس.


