في أدراج قصور العدل ترقد عشرات ملفات الاغتيال ومحاولاته، أثقلها الغبار لطول السنين: قضايا أُحيلت إلى المجلس العدلي بقرارات حكومية فور وقوع الجرائم، وكُلِّف بها محققون عاديون، لكن أحكامها لم تصدر لأسبابٍ تراوحت بين التوظيف السياسي، والتقصير، ونقص الأدلة. المستجدّ اليوم تعيين أحد عشر محقّقًا عدليًا لــ11 قضية دفعة واحدة؛ من أبرزها اغتيال طوني فرنجية وعائلته، ومحاولة اغتيال الرئيس كميل شمعون في أوائل الثمانينيات، وصولًا إلى اغتيال جبران تويني (2005) وبيار الجميل (2006). قرار التعيين يصدر عن وزير العدل بناءً على اقتراح مجلس القضاء الأعلى، ما يطرح سؤال الخلفيات والغايات: لماذا الآن، وكيف سيُدار هذا المسار؟


تؤكّد المعطيات القضائية أنّ مناصب المحققين العدليين شغرت خلال السنوات الأخيرة بسبب التقاعد والوفاة والاستقالة. ومع استكمال التعيينات في المجلس العدلي قبل أسابيع، رفع مجلس القضاء الأعلى إلى وزير العدل توصيةً بملء الشواغر لتحريك الملفات النائمة التي ينظر فيها «المجلس». وبالفعل، صدر القرار كإشارة انطلاق لمسار يفترض أن يُخرج القضايا من الجمود إلى سكة إجرائية واضحة.

على هذا الأساس، من المنتظر أن يعقد رئيس مجلس القضاء الأعلى سهيل عبّود اجتماعًا يوم الإثنين مع القضاة المعنيين لتشخيص أسباب المراوحة السابقة، ورسم أطر التعاون، واعتماد إجراءات العمل اللازمة للانطلاق. ووفق مصادر قضائية، لا يمكن إبقاء الأمور على حالها: فإمّا تحريك الملف إذا توافرت خيوطٌ يمكن أن تُفضي إلى نتيجة، وإمّا تكوين قناعة قضائية بأن الطريق مسدود لعدم كفاية الأدلة، وعندها يُصار إلى إقفال الملف مع تسطير مذكرة تحرّ دائم إلى الأجهزة الأمنية تُفعَّل عند ظهور أي معطيات لاحقة.


إذا كانت العدلية تعلن فتح الأدراج وإحياء الملفات الحسّاسة، فثمة سؤال مشروع يفرض نفسه: هل تُدار العدالة بمكيالين؟ ففي العهد نفسه خرج المدعى عليه رياض سلامة من السجن بكفالة نقدية أثارت شبهات تبييض الأموال ومصدرها، من دون أن يظهر للرأي العام مسارُ تقصّي مصدر الأموال، ومسار التحري المالي وفق مقتضيات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، أو توضيح دور الجهات الملزمة بالإخطار والتحقيق المالي. إن كان معيار الدولة هو تشديد مسطرة الإثبات في ملفات الاغتيالات، أفلا ينبغي أن يكون المعيار نفسه قائمًا في ملفات المال العام والفساد المالي-خصوصًا حين تتقاطع مع عقوبات دولية وحجج امتثال؟

 السؤال ليس اتهامًا، بل امتحان اتساق: إما عدالةٌ تُطبَّق على الجميع بالمعايير ذاتها، وإما ردهات مفتوحة للشبهة تُضعف الثقة بأيّ مسارٍ قضائي لاحق.


الى ذلك، كيف تُجمع الأدلة بعد عقود من وقوع الجريمة؟ فإحياء ملفات اغتيال قديمة لا يقوم على «النية الحسنة»، بل على هندسة أدلّة دقيقة تُعيد بناء سلسلة الإثبات بعد مرور الزمن. 

على المستوى التقني البحت، تبدو «صحوة» ملفات الاغتيالات بعد عقود أقرب إلى إدارة نهايةٍ سياسية منها إلى بحثٍ جِدّي عن حقيقة قابلة للإثبات. فمع مرور السنين تتهاوى مقوّمات الإثبات: سلسلة الحيازة تضعف، مسارح الجريمة تعرّضت للتلوث أو التبديل، الأثر الباليستي والحمض النووي يتدهوران بفعل الزمن والبيئة، سجلات الاتصالات والبيانات التعريفية تخضع لدورات احتفاظ قصيرة لدى الشركات، والشهود إمّا تبدّلت رواياتهم أو تعذر الوصول إليهم. لذا، فإنّ احتمال إنتاج دليل قضائي بمعيار المحكمة يكاد يساوي الصفر، مهما ارتفع منسوب الخطابة.

بهذه الخلفية، يبدو أن المقاربة المعلنة لوزير العدل تميل إلى ختم ملفاتٍ متقادمة عبر اتهامات سياسية صرفة لا تنهض على أدلة جنائية مكتملة، بما يتيح لفريقه السياسي تسجيل نقاط انتخابية على حساب الحقيقة القضائية. تحويل المجلس العدلي إلى منبر سرديات سياسية سيُنتج «حقيقة إعلامية» لا «حقيقة قضائية»، ويُبقي العدالة أسيرة المكيالين: تُشدّد المعايير حين يُراد، وتُرخّى حين يُبتغى الاستثمار. المعيار الوحيد الذي يحمي المسار من هذا المنزلق هو إعلان منهجية إثبات مسبقة قابلة للتدقيق العام (خطوات، جداول زمنية، عتبات لإقفال الملف أو السير فيه)، مع التزامٍ شجاع: إن تعذّر الإثبات العلمي تُقفل الدعوى بمذكرة تحرّ دائم بدل اختراع خصومٍ على الورق. بهذه الصرامة فقط تُصان هيبة القضاء من الاستخدام الانتخابي، وتُحفظ كرامة الدم من التسييس.


على هذه الجرائم، مرّت أكثر من عشرين سنة وتعاقبت عهودٌ وحكومات، ولم تخرج الحقيقة من عنق الزجاجة. المشكلة إذًا ليست في عدد الملفات، بل في بنيةٍ قضائية تحتاج إلى إصلاحٍ جدي. وهنا يبرز سؤالان متلازمان: هل يمثّل تعيين المحققين العدليين بداية مسارٍ إصلاحي يُقاس بالآجال والنتائج لا بالعناوين؟ وهل يتحرّك قانون تنظيم القضاء العدلي، الذي أعاده رئيس الجمهورية إلى مجلس النواب، بوصفه الإطار البنيوي الذي يضمن استقلال القرار القضائي وسرعة الفصل في القضايا ذات الحساسية السيادية؟

لا يكفي تغيير الأسماء من دون تغيير آليات العمل: إمّا أن تُحرَّك الملفات بخيوطٍ قابلةٍ للإثبات، أو تُقفل بشجاعةٍ قانونية تُرافقها مذكرة تحرّ دائم ترصد أي دليلٍ جديد. وفي الحالتين، الغاية واحدة: قضاءٌ يقترب من الحقيقة بدل أن يبتعد عنها، قضاءٌ يبرهن أن إحياء «ملفات الاغتيال» ليس جردة حساب، بل اختبارٌ لصدقية الإصلاح واتساق المعايير.