تقول له إنّ المياه ملوّثة، فيستشيط غضباً من «الاستهداف السياسي». تحذّره من أنّ المايكروبات التي تسبح في قنينة الماء خرجت من مجاري الصرف الصحي، فيقلبها قضية طائفية ويبحث عمّن «يكره طائفته». هذا هو الفصام اللبناني في أنقى صوره: بلدٌ لا يُفرّق بين تقريرٍ مخبريّ وبيانٍ حزبي، ولا بين سلامة الجسد وسلامة «الانتماء». هنا، حتى الماء ينتمي، والبكتيريا تُمنح بطاقة تموينية بلونٍ سياسي. كلّ ما في الأمر أنّ فحصاً واحداً لبكتيريا بسودوموناس إيروجينوزا تحوّل إلى فحصٍ أشمل لمدى تلوّث العقل العام، فكانت النتيجة أفدح من أي عيّنة.


لم يكن يفترض بقرارٍ إداريّ روتينيّ أن يتحوّل إلى عاصفة وطنية، لكن لبنان بلدٌ تتسرّب فيه الطائفية إلى كلّ قطرة ماء. فبعد إعلان وزير الصحة بالوكالة، نزار هاني، تعليق تعبئة شركة «مياه تنورين» وسحب منتجاتها من الأسواق، على خلفية فحوصٍ أثبتت وجود بكتيريا بسودوموناس إيروجينوزا، انفجرت حملة تضامن سياسي وطائفي كشفت حجم الانحدار في النقاش العام.


الشركة، من جهتها، رفضت نتائج الفحوص، معتبرة أن العيّنة لم تُسحب وفق الأصول ومن دون حضور ممثليها، ما يجعلها «غير دقيقة». مديرها العام جورج مخّول أكّد في مؤتمرٍ صحافي أن الشركة لا تبحث عن مواجهة بل عن «تصحيح الخطأ»، لكنه أصرّ على أن سمعة «تنورين» فوق كل اعتبار، حتى وهو يرتشف من منتجه أمام الكاميرات في مشهدٍ مقصود لإثبات الثقة.


وزارة الصحة ردّت سريعًا عبر الوزير ركان ناصر الدين، مؤكدة أن الفحوص أجريت في مختبرين رسميين بفاصل زمني، وكلاهما أظهر تلوّثًا متزايدًا. وأضافت أن الإجراء سيلغى فور قيام الشركة بما يلزم لتصحيح العيوب وضمان سلامة المياه، وأرسلت عينات إضافية إلى مختبرات الجامعة الأميركية ومعهد البحوث الصناعية، في إطار حملة تشمل كل شركات المياه لضمان الشفافية والمساواة.


حتى هذه النقطة، المسألة صحية بحتة. لكنّها سرعان ما خرجت عن مسارها. فبمجرد إعلان القرار، اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بحملة صاخبة قادتها «القوات اللبنانية»، تتحدث عن استهداف «شركة المسيحيين» من قبل «وزير حزب الله»، لتتحوّل قضية تلوّث مياه إلى ملفّ «اضطهاد طائفي». وبدل أن يناقش اللبنانيون معايير السلامة وجودة المراقبة، تحوّل النقاش إلى استقطاب سياسي عبثي بين «سياديين» و«تابعين»، واستحضرت نماذج المصارف ومخابز «وودن بيكري» وميشال مكتّف في محاولةٍ لتثبيت رواية المظلومية الجماعية.


في الواقع، جاء تحرّك الوزارة  بعد تكرار شكاوى عن حالات تسمم مرتبطة بمياه «تنورين»، وأن الشركة أُبلغت بذلك ولم تتجاوب. ومع ذلك، لم يمنع ذلك الانزلاق في الخطاب العام: تشكيكٌ بالمختبرات الوطنية، واتهامٌ بالتسييس، وتضامنٌ جماعي مع «الرمز المسيحي» ضد «الوزير الشيعي»، في ما يشبه محاكاة مصغّرة لحرب أهلية افتراضية.


توضّح نتائج الفحوص أن المياه غير مطابقة للمواصفات وليس غير صالحة للشرب، وهو فارق علميّ جوهري. فالمعايير الوطنية التي تضعها مؤسسة «ليبنور» تُحدّد بدقّة مستويات التلوث المقبولة، وأي انحراف عنها يستوجب تصحيحًا تقنيًا لا حملات تخوين. 


بمعنى آخر، ما يجري هو تطبيق لإجراءات المراقبة لا أكثر، كان يمكن أن يمرّ بهدوء لو لم يُحقن بجرعةٍ طائفية جعلت من البكتيريا السياسية أشدّ خطراً من تلك الموجودة في العيّنة.


المهمّ أنّ هذه القضية كشفت عن عمق العطب اللبناني: مؤسسات بلا ثقة، وقرارات تُقاس بهوية الوزير لا بمضمونها. وفي بلدٍ تُحوَّل فيه الفحوص المخبرية إلى بيانات سياسية، يصبح الدفاع عن الصحة العامة عملاً شجاعًا لا تقنيًا. لأن الحقيقة، ببساطة، أن «تنورين» لم تُصاب ببكتيريا واحدة، بل بعدوى أعمق اسمها لبنان.