من يرفع شعار «قرينة البراءة» في وجه الدم المسفوك، يخلط بين مبدأ قانوني سامٍ وذريعةٍ أخلاقية ساقطة. فالبراءة ليست لافتةً لتبييض من موّل وحرّض وغطّى نشاط جماعة متطرّفة رفعت السلاح في وجه الجيش اللبناني وقتلت ضباطاً وجنوداً في عبرا.
وضل شاكر، الذي يصرّ البعض على تقديمه كـ«فنان تائب»، لم يكن متفرّجاً على مسرح التحريض؛ بل تكشف التحقيقات عن صلاتٍ تمويلية وانخراطٍ تنظيميّ وخطابٍ تعبويّ صبّ الزيت على نار المواجهة. لا يُلغى هذا التاريخ بحضورٍ وجاهيّ أو ببيانٍ ناعم، ولا تُغسل اليد الملوّثة بشعارات الغفران الإعلامي. فالمحكمة العسكرية اليوم لا تواجه فناناً، بل سلوكاً إجرامياً موصوفاً: تحريضٌ وتمويلٌ وتدخّلٌ في أعمالٍ إرهابية طالت الدولة في قلب رمزها العسكري.
بعد أكثر من عقد على تعثّر المسار القضائي، عاد الملفّ إلى سكّته الطبيعية بانتقاله من الأحكام الغيابية إلى المحاكمة الوجاهية أمام المحكمة العسكرية الدائمة. هذا التحوّل ليس إجراءً شكلياً؛ إذ إن حضور المتهم أو توقيفه يُسقِط حكماً الأحكام الصادرة بغيابه ويفتح الباب لإعادة المحاكمة من جديد وفق ضمانات أوسع لحقّ الدفاع ومناقشة البيّنات علناً. وقد أنهت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني التحقيقات الأولية مع شاكر، وأُحيل الملف عبر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم إلى رئاسة المحكمة تمهيداً لتحديد أولى الجلسات.
تشير المعطيات المتاحة إلى أنّ الإفادة المطوّلة للمتهم وما رافقها من تحقيقات أظهرت علاقة تمويلٍ وانضمامٍ وتحريضٍ لصالح جماعة أحمد الأسير، من دون أن يثبت أمام المحققين اشتراكه المباشر في قتال الجيش أو المشاركة في قتل عسكريين خلال أحداث عبرا عام 2013. هذا التفريق بين «الانتماء والتمويل والتحريض» من جهة و«الاشتراك المباشر في القتال» من جهة أخرى سيكون محورياً في تقدير الوصف الجرمي أمام الهيئة الحاكمة، ولا سيّما لجهة التمييز قانوناً بين المساهمة الأصلية في الجريمة والتدخّل فيها وما يقتضيه كل منهما من قصدٍ جرميّ وعلاقةٍ سببية.
خريطة الأحكام الغيابية السابقة واضحة: في ملف عبرا صُدّق قرار إبطال التعقّبات لجهة القتل المباشر، مع إدانة بالتدخّل في جرائم القتل وبالتدخّل في أعمال إرهابية وفرض عقوبة الأشغال الشاقة خمسة عشر عاماً. وفي ملف آخر حُكم بخمس سنوات لتعكير صِلات لبنان بدولة أخرى وإثارة النعرات، كما حُكم بسبع سنوات لتمويل أعمال إرهابية، وبخمسة عشر عاماً إضافية بالتدخّل في الإرهاب عبر تقديم خدمات لوجستية. غير أنّ هذه الأحكام، وقد سقطت وجاهياً بحضور المتهم، تعود لتصبح جزءاً من سياقٍ إجرائي جديد تُعاد ضمنه مناقشة الوقائع والأدلة والشهادات على مرأى من الدفاع والادعاء، فتغدو قوّة الحجّة هي المعيار الفاصل لا مفاعيل حكم سابق صدر بغياب المعنيّ.
على المستوى القانوني البحت، توفّر المحاكمة الوجاهية إطاراً حاسماً لتثبيت أو تعديل الأوصاف الجرمية بحسب ما يتكشّف من أدلة. فالنيابة العسكرية مطالَبة بإقامة الدليل الجازم على عناصر الجرائم المنسوبة، وخصوصاً في قضايا الإرهاب وتمويله التي تتطلّب توافر قصديّة خاصة وعلمٍ مسبق بطبيعة النشاط الإرهابي وآثاره. أمّا الدفاع، فسيقارب الدعوى بدفوعٍ شكلية تتصل بالاختصاص وصحّة الإجراءات، وبدفوعٍ أساس تمتحن الرابطة السببية والركن المعنوي وكفاية الدليل، مع مناقشة الشهود والقرائن والمواد التوثيقية والمالية، إن وجدت، بحيث تُفحَص كل حلقة من حلقات الاتهام على ميزان الضرورة واليقين.
لا ينفصل هذا المسار عن البعد الحقوقي لأهالي العسكريين الشهداء الذين جال وفدٌ منهم على قائد الجيش العماد رودولف هيكل ووزير الدفاع اللواء ميشال منسى والقاضي غانم للمطالبة بإنصاف أبنائهم واستكمال طريق العدالة. إنّ حضور هؤلاء إلى جانب مؤسسات الدولة يؤكد أنّ القضية تتجاوز الشخصي إلى العام، وأنّ المحكمة العسكرية، بما تمثّله من ولاية على الجرائم التي تطاول المؤسسة العسكرية وأمنها، مدعوّة إلى ترسيخ ثقة الرأي العام بقدرتها على تطبيق القانون بعدالة وشفافية بعيداً من الضجيج والحملات على منصّات التواصل.
سقوط الأحكام الغيابية لا يُسقط المسؤولية، بل يتيح إعادة اختبارها على ضوء مناقشة حيّة للدليل. العدالة الجزائية لا تُبنى على انطباعات ولا على تلاعب بالشعارات، بل على وقائع ثابتة تنهض بها البيّنات إلى درجة الاقتناع القضائي المبرّأ من الشكّ المعقول. وبين حقّ المجتمع في الحقيقة وحقّ المتهم في محاكمة عادلة، تمضي القضية إلى لحظتها الحاسمة: هناك، في قاعة المحكمة، وحده الدليل—لا الرواية الصاخبة—سيقول الكلمة الفصل.


