بلغة الأرقام والوقائع الميدانية، تبدو غزة اليوم كمنطقة نُزعت منها أسباب الحياة. لم يعد الخراب حكاية مبانٍ مهدّمة فحسب، بل قصّة اقتصادٍ مُعطَّل وطبقةٍ عاملة فقدت سندها اليومي. فالسؤال الذي يفتتح المشهد، «ماذا تبقّى لسكان قطاع غزة من صناعات ومنشآت تجارية؟»، لا يخصّ العمّال وحدهم؛ إذ لحقت بهم فئات مهنية أخرى كالمحامين والمهندسين وموظفي المؤسسات المحلية، لتصبح دوامة الفقر والندرة شاملةً لشريحة واسعة من المجتمع.


قبل الحرب، كان القطاع الصناعي واحداً من أعمدة الاقتصاد الوطني وأكبر مشغّلي اليد العاملة في غزة. أكثر من أربعة آلاف وخمسمئة منشأة صناعية متوسطة وكبيرة، يجاورها آلاف المشاريع متناهية الصغر والورش الصغيرة المرتبطة برياديين وأعمال شخصية، شكّلت شبكة إنتاج متماسكة نسبيّاً وقادرة على تدوير دورة دخل محلي. اليوم، تفيد الشهادات بأن ما يقرب من تسعين في المئة من هذه المنشآت قد تعرّض لدمار كلي أو لضرر بالغ جعلها خارج الخدمة. وكان نحو ثلاثمئة وخمسين ألف عامل يعملون قبل الحرب داخل هذا النسيج الصناعي؛ ومع القصف وتساقط خطوط الإنتاج، تأكّد تسريح مباشر يفوق خمسةً وثلاثين ألف عامل وفق ما وُصف بأنّه إحصاء رسمي أدقّ، فيما ترجّح الانطباعات الميدانية أن النسبة الفعلية للتسريح تتجاوز ذلك بكثير بسبب الدمار الشامل والتوقّف القسري.


المفارقة أنّ المنشآت التي لم تُسحق تماماً وحاولت العودة—ولو بنسبة ضئيلة—وجدت نفسها في عنق زجاجة خانق: شحٌّ في المواد الخام وارتفاع حاد في كلفتها، انعدامٌ شبه تامّ لاستقرار الطاقة والوقود بفعل الإغلاقات، وتهديداتٌ أمنية مباشرة تجعل تشغيل أي خط إنتاج مغامرة يومية. هكذا يتبدّد الأمل في «إعادة التشغيل» أمام فاتورة تكاليف ثابتة بلا إنتاجية، وتتآكل السيولة، وتخرج ورشٌ صغيرة من السوق تباعاً.


الأثر الاجتماعي لهذا الانهيار الاقتصادي يظهر سريعاً وبقسوة. البطالة تتسع على نحو «مخيف»، وفق تعبير أحد المتحدّثين، وفقدان القوت اليومي لم يعد احتمالاً بل واقعاً يضغط على آلاف الأسر. ولأن السوق المحلي فقد قدرته على امتصاص الصدمة، بات البحث عن بدائل للبقاء، من مساعدات عينية ونقدية إلى أعمال طارئة وتضامن أهلي—سلوكاً عاماً لا يكفي لسد فجوات الجوع والكرامة. تفكّكت شبكات الأمان التقليدية التي كانت تقوم على دخل الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وتراجعت القدرة الشرائية إلى مستوياتٍ تحرم الناس من أساسيات العيش.


ما يحدث ليس موسماً سيئاً في دورة الأعمال، بل تعطيلاً بنيوياً لمنظومة الإنتاج والمعيشة. سلاسل التوريد مقطوعة، القدرة التشغيلية مصادرة، والطلب الداخلي منهار بفعل البطالة الشاملة. تُظهر الشهادات والأرقام، على تباينها، حقيقة واحدة: غزة تقف على حافة مجاعة اقتصادية. ومن دون مدّ ممرات آمنة للوقود والمواد الخام، وإطلاق برامج تشغيل طارئة للأجر اليومي، ودعم نقدي مباشر للفئات الأشد تضرّراً ريثما تستعيد الورش أنفاسها، سيبقى السؤال الأكثر إلحاحاً بلا جواب: كيف يعيش الناس غداً؟