لما كان النقاش العام يشهد اتساعاً في الجدل حول آليات إقفال ملفات الإرهاب عبر إعادة توزيع المسؤوليات بصورة تُقحِم حزب الله في خانة الاتهام السياسي قبل استيفاء مقومات التدقيق القضائي، فإنّ قضية الفنان فضل شاكر تبرز بوصفها اختباراً جدياً لميزان العدالة وحياد المرجع القضائي. ذلك أنّ مناخ الاستقطاب المصاحب لسرديات متعارضة، بين من يحمّل الحزب تبعات الاحتكاك الأهلي ومن يرى في هذا الاتهام صرفاً للأنظار عن الوقائع المادية وأركان الجرم، يفرض على السلطة القضائية التشدّد في اعتماد قواعد الإثبات وضمانات الدفاع وحسن إدارة الخصومة الجزائية بعيداً عن إملاءات اللحظة. والقاعدة أنّ الشرعية الإجرائية لا تقوم إلا على مستندات مضبوطة وشهادات موثّقة وسلسلة سببية متماسكة بين الفعل والنتيجة، لا على مقدمات سياسية أو انطباعات شعبية؛ وبذلك تتحوّل كل جلسة تعقد في هذا الصنف من القضايا إلى محكّ لعلنية المحاكمة وحقوق الأطراف وصدقية الفصل بين السياسة والقضاء.


المهمّ، حضر فضل شاكر إلى قصر عدل بيروت وسط تدابير أمنية مشدّدة اتخذها الجيش اللبناني، ومثل أمام رئيس محكمة جنايات بيروت القاضي بلال الضناوي في جلسة استجواب تمهيدية تسبق الموعد المحدّد لمحاكمته في الخامس عشر من كانون الأول المقبل. وهذه أولى المرات التي يمثل فيها المذكور أمام القضاء اللبناني وتُستمع فيها أقواله كاملة في مناخ هادئ أتيح له خلاله عرض دفوعه وبيان مطالبه وتسمية فريقه القانونيّ الذي سيتولّى الدفاع عنه عند انعقاد الجلسة. وفي المقابل جرى تبليغه بمضمون الدعوى المقامة عليه والمتصلة بواقعة محاولة قتل هلال حمود، أحد مسؤولي «سرايا المقاومة» في صيدا، والمنسوبة إليه وإلى الشيخ أحمد الأسير وأربعة آخرين بجرائم تأليف عصابة مسلّحة ومحاولة القتل وإطلاق النار خلال أيار 2013. وإذ تحمل هذه الوقائع ظلالاً سياسية لا تخفى بالنظر إلى سياق الاشتباك الأهلي آنذاك، يبقى على المرجع المختص أن يحصر النزاع في حدوده القانونية الصِرف ويميز بين الادعاء ذي الطابع السياسي والواقعة الجزائية القابلة للإثبات وفق أصوله.


ومن الوجهة الإجرائية، يُنتظر أن تنطوي الجلسة الأولى للمحاكمة على مواجهة مباشرة بين أحمد الأسير وفضل شاكر، بما يتيح للأخير ممارسة حقه في الدفاع والرد على ما نسب إليه وفق القواعد المرعية. وقد كان القاضي الضناوي قد عيّن جلسة سابقة لاستجواب الأسير في الأول من تشرين الأول الجاري قبل تسليم شاكر نفسه لمخابرات الجيش، غير أنّ الجلسة أُرجئت لتعذّر حضور المشتكي هلال حمود وتعذّر تبليغ بعض المدعى عليهم الذين سبق إخلاء سبيلهم، فتمّ تحديد الخامس عشر من كانون الأول موعداً موحداً صوناً لحسن السير بالإجراءات وضماناً لحضور الأطراف. ونظراً لحساسية الملف وما يلازمه من اعتبارات أمنية، قد تقتضي الضرورة ترتيبات استثنائية تتولاها القوى العسكرية والقضائية، بما في ذلك مواكبة لوجستية مكثفة لنقل الموقوفين والشهود إلى قصر العدل وربما إلى المحكمة العسكرية عند الاقتضاء، مع تشديد التدابير الاحترازية دون مساس بعلنية الجلسات وضمانات التقاضي.


وحيث إنّ هذه القضية تتقاطع عند تخوم سرديات سياسية حادة ومقتضيات تحقيق جزائي دقيق، فإنّ المقاربة القضائية الواجبة تقتضي تغليب معيار الدليل على الخطاب، ووزن الأقوال بميزان المحاضر والأحراز والتقارير الفنية لا بضغط اللحظة ولا بشعبوية الاتهام. فالعدالة لا تُبنى على تحميل استباقي للمسؤوليات، بل على حجّة راسخة تقيم الصلة بين الفعل والفاعل والنتيجة؛ ومن ثمّ يبقى الحسم النهائي رهناً بما ستكشفه جلسات المواجهة من أقوال متقابلة وأدلة قابلة للمناقشة العلنية، بما يكفل حقوق الدفاع ويصون هيبة القانون ويحول دون تحويل القضاء منصة لتصفية الحساب السياسي تحت عنوان «إقفال ملفات الإرهاب».


انّ اقتران إعادة فتح هذا الملف بحملة إعلامية ممنهجة تتبدّى في توحيد الرسائل وتنميط السردية وانتقائية النشر وتسريب المعطيات خارج قنواتها القضائية يشكّل قرينة جدّية على وجود أجندة مسبقة ترمي إلى توجيه الرأي العام والتأثير في مسار المحاكمة. والأصل أن تتقدّم أدوات الإثبات على منابر التشهير، وأن تُصان سرية التحقيق حيث يجب وتُحترم علنية الجلسات حيث يلزم، وأن تُحسم المسؤوليات أمام هيئة الحكم لا في ساحات الإعلام. وعليه، فإنّ أي استثمار منظّم للمنابر الإعلامية يسبق إجراءات التقاضي أو يواكبها بضغط دعائي يمسّ بقرينة البراءة ويهزّ ميزان العدالة، بما يستوجب تشديد الرقابة القضائية على تداول المعلومات وتحصين استقلال المحاكمة عن أي أثر لأجندات سياسية أو إعلامية لا تمتّ إلى معايير المحاكمة العادلة بصلة.