ساحات الصراع الفلسطيني-اللبناني متصلة بخيوطٍ استراتيجية واحدة. في غزة، يدور عمل دولي وأمني لإدارة «اليوم التالي» بعد القصف، وفي الضفة يقضم المستوطنون الأرض والرموز الزراعية، وفي جنوب لبنان تُستهدف الأشجار والأنشطة الزراعية بشكلٍ يضرب القدرة الاقتصادية للمجتمعات. هذه المشاهد الثلاثة ليست سلسلة أحداث متفرّقة، بل عناصر في مشروع أوسع يسعى إلى إعادة هندسة الواقع عبر تقييد القدرة على الصمود وتفكيك روابط الارتباط بالأرض.


في غزة، بدا الوجود الدولي المكثف بعد وقف النار محاولة لوضع ضوابط على حركة المساعدات وحماية خطوط الإمداد الأساسية، لكنه أيضاً وسيلة للسيطرة على وتيرة التعافي. إدارة ممرات الغذاء والدواء والوقود لا تقتصر على شقٍ إنساني؛ فهي تتحول إلى آلية سياسية تحدد سقف الاستعادة الاقتصادية والاجتماعية للقطاع. النتيجة أن غزة تخرج من المأساة بحياة ممكنة على مستوى الحد الأدنى، لكنها محرومة من شروط الانطلاق السريع نحو استعادة إنتاجيتها وقدرتها الذاتية.

إلى الشمال والغرب من غزة، في الضفة الغربية، أصبح موسم الزيتون ميداناً مصغّراً لمعركة الهوية. شجرة الزيتون التي تمثّل ذاكرةً ووجوداً متوارثاً بين الأجيال، تتعرّض هذه الأيام لهجمات منتظمة تتجاوز السرقات العابرة إلى منع أصحاب الأرض من الوصول إلى محاصيلهم واقتلاع الأشجار وحرقها. يحمل هذا النمط سمات منهجية: إقامة بؤر استيطانية صغيرة، استفزاز ممارس يوميًا يفضي إلى فرض وقائع على الأرض، ثم تكريس تلك الوقائع بآليات أمنية تجعل إعادة الوضع إلى ما كان أمراً صعباً وطويل الأمد. إذ لا تستهدف الاعتداءات فقط محصولاً أو شجرة، بل كياناً اقتصادياً وثقافياً يُبقي الناس مرتبطين بأرضهم.


وفي جنوب لبنان، تتكرر صورة الحصار البيئي والاقتصادي بلونٍ محلي. مناطق مثل كفرشوبا شهدت منعاً طويلاً للمزارعين من الولوج إلى حقولهم، وسمحوا ليومٍ أو أيام معدودات فقط بجني حصادٍ لا يعوّض سنوات الإهمال التي خلّفتها الاعتداءات والقذائف. أشجار معمّرة اقتلعت أو تحطمت، منشآت تجهيز المحاصيل تضررت، وشبكات الري أصيبت بعطلٍ يحتاج إلى استثمارات كبيرة لإصلاحه. التقديرات الأولية تخطّت خسائر العديد من المشاريع الزراعية حدود المعقول لجهة أعداد الأشجار وملايين الدولارات قيمة الخسارة، بينما تظل الإمكانيات المحلية عاجزة عن التعويض دون دعم دولي منسّق.


ما يجمع هذه الجبهات هو استراتيجية متكاملة: استنزاف الموارد والقدرات، ضرب الرموز التي تجعل من الأرض حاضنة للهوية، واستغلال القنوات القانونية والدبلوماسية لتثبيت نتائج على أرض الواقع. تارة تُستخدم السيطرة على الممرات واللوجستيات لفرض قيود على التعافي، وتارة تُوظف الاعتداءات الميدانية لخلق وقائع جديدة يصعب التراجع عنها. وفي البحر، يؤثر هذا المخطط على مسارات استغلال الموارد الطبيعية أيضاً؛ تأجيل المسوحات أو تعطيل الجدولة الحفرية لا يقتصر أثره على خطة اقتصادية محلية، بل يفتح مجالاً أمام الطرف المقابل للتموضع والاستفادة، سواء بتسريع عمليات تراخيصه أو بملء الفراغ المؤسسي.


العواقب ليست محض خسارة مؤقتة؛ فهي تغيّر موازين البقاء. فقدان موسم كامل أو احتراق آلاف الأشجار لا يعاد في عام واحد، وإضعاف حلقات سلسلة الإنتاج الزراعي يضرب سبل العيش لآلاف العائلات. كما يفتح تقييد الوصول إلى الأرض أبواباً لهجومات اجتماعية جديدة تُضعف البنية المجتمعية وتحصّن عملية تهجيرٍ عملي بطئ لكنه فعّال.


الردّ الفاعل على هذا المخطط لا يمكن أن يقتصر على الاستنكار. لا بد من مزيج عملي يجمع حماية فورية للمواسم الزراعية عبر ترتيباتٍ دولية تضمن مرور الجني وإيصاله، وبرامج تعويض واستعادة مموّلة بشفافية تُعالج الخسائر الطارئة وتعيد بناء البنى التحتية الريفية، وتدوينٌ حقوقي موثّق للانتهاكات البيئية والزراعية كجزء من ملفّات قد تُعرض أمام محافل قانونية دولية. كما يتطلب الأمر سياسة إقليمية تربط بين معالجات غزة والضفة والجنوب اللبناني، لأن تفكيك الخريطة الاقتصادية أو الرمزية في أي من هذه المحاور ينعكس على الآخرين.


ما يحاول العدو فرضه ليس مجرد تحكّم عسكري وقتي، بل إعادة توزيع شروط الحياة على مساحةٍ واسعة: من المدن المحاصرة إلى الحقول والمرافئ. التصدي لذلك يتطلب رؤية واحدة تجمع حماية الناس والأرض والرمز، وإجراءات عملية تردّ على محاولات تقويض القدرة على الصمود، وتعيد إلى المجتمعات ما سُلب من أمل وموارد وكرامة.