منذ أشهر والائتلاف الحاكم في تل أبيب يعيش على حافة اختبارٍ لا ينتهي: كيف يمكن لدولةٍ ترفع شعار “الجيش للجميع” أن تُدير كتلةً اجتماعية ترى في الثكنة تهديدًا لعقيدتها وفي المدرسة الدينية وطنًا بديلاً؟ انفجرت الأسئلة بعد التعبئة العسكرية الواسعة في أعقاب السابع من أكتوبر، حين بدا أن المجتمع الإسرائيلي كلّه طُلب إليه أن يدفع ثمن الحرب… باستثناء جمهورٍ متنامٍ من المتدينين المتشددين. هكذا عادت إلى الصدارة قضية إعفاء طلاب المعاهد الدينية، لا بوصفها بندًا إداريًا عابرًا، بل باعتبارها مرآةً لانقسامٍ عميق حول معنى الدولة وحدودها.
في المشهد اليومي للقدس وبني براك، يمكنك أن ترى القصة وهي تمشي على قدميها: رجال بملابس داكنة طويلة، قبعاتٍ عريضة، وخصلٍ ملتفّة تتدلّى على جانبي الوجه، يتحدثون بلهجةٍ خاصة ويُمسكون كتبًا يقرؤونها كمن يمسك بخيط نجاته. هؤلاء هم الحريديم؛ جماعة أقامت لنفسها مجتمعًا متوازيًا داخل إسرائيل، له نظام تعليم مستقل ووتيرة حياة محكومة بفقه الطقوس. ليس خلافهم مع بقية الإسرائيليين خلافَ طباعٍ فحسب، بل اختلافٌ جذري حول ما إذا كانت الدولة الحديثة فضاءً مشتركًا أم خطرًا يهدد هوية الجماعة.
جذور الإعفاء تعود إلى لحظة التأسيس. وُقّع تفاهم غير تشريعي في زمن بن غوريون سمح لطالبِ التوراة بأن يجعل دراسته “مهنةً” تقيه الخدمة العسكرية ما دام منقطعًا لها. كان المستفيدون قلّة، ثم تضاعفت الأعداد مع عقودٍ من النمو السكاني داخل الأحياء المتشددة، فتحوّل الاستثناء إلى ظاهرة. ومع اتساع الهوّة، تجذّر شعورٌ عند قطاعات واسعة من المجتمع بأن العبء لا يُوزَّع بعدل: هناك من يذهب إلى الجبهة، وهناك من يمرّ بينها وبين القانون بسُلّمٍ من النصوص الدينية.
المحاولة الأخيرة لإطفاء الحريق جاءت من السياسة. اختار بنيامين نتنياهو أن يشتري الوقت، فدفع باتجاه صيغة ترفع سنّ الإعفاء سنواتٍ إضافية على أمل أن يفضّل الشبان باب التجنيد على انتظارٍ طويل خلف أبواب المعاهد. لكن القضاء قلب حسابات الحكومة، فأوقف التمويل العام للمؤسسات التي لا ترسل طلابها إلى الخدمة، وألغى عمليًا فكرة الإعفاء المفتوح، مع أوامر ببدء تجنيد دفعاتٍ أولى من المؤهلين. في اليوم التالي خرجت الشوارع الحريدية غاضبة، وتحوّل الاشتباك مع الشرطة إلى مشهدٍ متكرر؛ الدولة تقول إنها تساوي بين مواطنيها في “تكاليف السيادة”، والجماعة تردّ بأنها تدافع عن أسلوب حياةٍ يريد الخصوم اقتلاعه.
بالنسبة للحريديم، ما يحدث ليس مجرد صراع على البطاقات العسكرية. دراسة التوراة عندهم ليست ترفًا روحانيًا، بل وظيفةٌ تحفظ الجماعة وتُسهم-وفق تصورهم-في “حماية” البلاد على نحوٍ لا يقلّ شأنًا عن البندقية. وهناك سبب آخر لا يقل ثقلاً: المؤسسة العسكرية فضاء مختلط، تُزال فيه الحواجز بين الرجال والنساء، وتذوب الحدود الطائفية، ما يُعرِّض شبابهم-بحسب تعبيرهم-لَسيلٍ من “العلمانية” لا طوق نجاة منه. وبعض تياراتهم تذهب أبعد: لا دولة يهودية قبل مجيء المسيح، وكل ما سواه باطلٌ شرعًا. هذا الموقف، حين يصطدم بواقعٍ تموّله ميزانيات الدولة نفسها، يكشف التناقض المؤسِّس: جماعة تشكّك بشرعية الإطار السياسي وتفاوضه في الآن نفسه على شروط بقائها داخله.
هنا يدخل العامل الحاسم: الحسابات الائتلافية. لسنواتٍ طويلة كان الحريديم درع نتنياهو البرلماني؛ كتلة منضبطة تصوّت معه ساعة الشدة وتحمي حكومته من السقوط. لكن الأزمة الراهنة تُهدد هذه المعادلة: أي خطوة حازمة في ملف التجنيد قد تُفكّك القاعدة التي أتاحت له البقاء، وأي تنازلٍ كبير سيُعمّق سخط مَن يرون في الإعفاء تمييزًا ممنهجًا. وبين ضغط الشارع، وقرارات المحاكم، وتصدعات اليمين، يتقلّص هامش المناورة الذي اعتاده رئيس الحكومة.
القضية، إذًا، أكبر من بند خدمة إلزامية. إنها سؤال الهوية نفسه: هل إسرائيل دولةٌ مدنية بقانون واحد، أم دولةٌ دينية تُعاد صوغ مؤسساتها على مقاس الشريعة؟ في الفراغ بين الخيارين نشأت منظومتان اجتماعيتان لا تلتقيان إلا اضطرارًا: مدنٌ حديثة تدفع باتجاه سوقٍ مفتوح واقتصادٍ منتج، وأحياءٌ تُعيد إنتاج ذاتها ببطءٍ وإصرار، وتعتبر كل انخراطٍ خارج أسوارها تهديدًا لجوهرها. وكلما ارتفع منسوب التوتر الأمني، خرج هذا الشرخ من الكتب إلى الشارع، وباتت قرارات الإدارة والتشريع شراراتٍ على أرضٍ مهيّأة للاشتعال.
ما ينتظر الجميع ليس حلًا سريعًا، بل مفاوضةٌ طويلةٌ على صيغة عيشٍ مشتركة: كيف يُعاد توزيع الأعباء من دون سحق الخصوصيات؟ وكيف تُحفظ هوية جماعةٍ منغلقة من غير أن تتحوّل إلى دولةٍ داخل الدولة؟ ستقترح الحكومة تسوياتٍ مؤقتة، وستُنتج المحاكم أحكامًا صارمة، وسيُراكم الشارع صخبًا جديدًا مع كل جولةٍ من الجدل. لكن ما لم يُحسم سؤال المعنى—جيشٌ يجمع الجميع أم استثناءٌ يكرّس الانقسام—سيبقى النظام كلّه قائمًا على تفاهماتٍ هشة. عند تلك النقطة لن يكون نتنياهو وحده من يوازن بين خسارة الحلفاء وغضب الجمهور، بل دولةٌ بكاملها تُعيد تعريف نفسها وهي تمشي.


