يمرّ موسم قطاف الزيتون في الضفة الغربية هذا العام تحت وطأة عنفٍ منظّم لا يشبه ما سبقه إلا في تكرار الفكرة وتضاعف القسوة. قرى وبلدات فلسطينية تُهاجَم في وضح النهار، واعتداءات تتنقّل من سفحٍ إلى آخر على مرأى من قوات الاحتلال وشرطته، وأحيانًا تحت حمايتهما المباشرة. خلال أسابيع قليلة فقط طاولت الاعتداءات عشرات المناطق، وتحوّل الحقل-الذي يفترض أن يكون مساحة رزقٍ وذاكرة-إلى مسرح تهديدٍ دائم للمزارعين وعائلاتهم. التقارير الإنسانية تشير إلى نمطٍ متصاعد بالأرقام والدلالات: عشرات الوقائع الموثّقة خلال موسم الجني الحالي، ومئات أشجار الزيتون التي أُحرقت أو قُطعت أو أُتلفت، حتى بات الشهر الفائت، بحسب وكالات أممية، الأكثر عنفًا منذ سنوات طويلة. تتنوّع وسائل الاعتداء بين إطلاق نارٍ وترهيبٍ مسلح، واقتحامات تتخللها سرقة المحاصيل، ومنع قسري للمزارعين من الوصول إلى أراضيهم أو إجبارهم على مغادرتها تحت ضغط التهديد اليومي.
خلف هذا المشهد المتناثر في الجغرافيا تقف بنيةُ عنفٍ لها تنظيماتها وشعاراتها ورمزيتها. أبرزها مجموعات عُرفت منذ مطلع الألفية بسعيها لاحتلال التلال المطلة على القرى الفلسطينية وتحويلها تدريجيًا إلى بؤر استيطانية غير قانونية؛ من هذه المجموعات خرجت أجيالٌ جديدة حملت الأسماء نفسها والغاية ذاتها، من “فتيان التلال” إلى نظيراتها النسائية التي ظهرت لاحقًا. لا تقتصر أفعال هذه الشبكات على ترهيبٍ متقطع، بل تشمل حوادث قتلٍ وحرق منازل وتخريب ممتلكات، ما استدعى في العام الماضي إدراجها على لوائح عقوبات لدى عواصم غربية. وبالتوازي تنشط مجموعات تحمل توقيع “جباية الثمن”، تترك أثرها الشعاري بعد كل اعتداء، كإعلانٍ علني بأن الجريمة رسالة وسياسة معًا، وأن الهدف أبعد من إصابة أفراد بعينهم إلى ضرب إرادة مجتمعٍ بأكمله.
يتكامل هذا الحضور الأهلي المتطرف مع أطرٍ أخرى تتخذ طابع الحراسة والميليشيا المحلية، تأسست تحت مسمى “حماية” المزارع والبؤر الاستيطانية غير القانونية. بعض هذه الأطر اكتسب طابعًا مؤسساتيًا بعد السابع من أكتوبر عبر تشكيل وحدات دفاعٍ إقليمية تضم آلاف المستوطنين المنتشرين في محيط القرى الفلسطينية، ما وسّع هامش القوة على الأرض ومنح الاعتداءات غطاءً إضافيًا. بهذه الطريقة لم يعد العنف حادثًا عابرًا، بل ممارسة متكررة تستفيد من فراغات القانون ومن شبكة حمايةٍ أمنية وسياسية تمنع مساءلة الجناة وتكرّس عمليًا حالة إفلاتٍ من العقاب.
الهدف المعلن في أدبيات هذه الجماعات يتجاوز كسر موسمٍ زراعي أو إفشال جنيٍ سنوي. المطلوب جعل الزراعة الفلسطينية غير قابلة للاستمرار: اقتلاع أشجارٍ ترمز إلى رسوخ الأرض، إفقاد العائلات مصدر رزقها المتوارَث، وإرهاق الناس في سبيل الوصول إلى حقولهم حتى يتحول البقاء إلى عبءٍ يومي. حين تُحرق شجرةٌ عمرها عقود، لا تُصادر ثمرة موسمٍ فحسب، بل تُصاب ذاكرةُ المكان؛ وحين يُسرق المحصول، لا يُنهب جهد عامٍ واحد فقط، بل يُبعث برسالةٍ قاسية مفادها أن الزمن لن يعمل لصالح أصحاب الأرض. على هذا القياس تغدو موجات الاعتداء جزءًا من تكتيكٍ أوسع لدفع السكان إلى النزوح الصامت، ليتكفّل الخوف بما تعجز عنه أوامر الإخلاء.
يؤشر هذا التراكم إلى معادلة تتقاطع فيها ثلاثة عناصر: جماعات أيديولوجية تعتبر الاستيلاء على التلال واجبًا دينيًا وسياسيًا، وأذرع “حراسة” محلية تملأ الفراغ بين المستوطِن والجندي، ومؤسسة أمنية تغض الطرف عن الجرائم أو تؤمّن لها محيطًا آمنًا. حين تجتمع هذه العناصر في موسمٍ يختزن قيمةً اقتصادية ورمزية مثل الزيتون، تكون النتيجة مضاعفة الأثر: انكماش المساحات الزراعية المتاحة، تحوّل الحقول إلى نقاط اشتباك، وتراجع قدرة المزارع على التخطيط لموسمٍ قادم.
في خلفية المشهد تبقى الخلاصة الأوضح: لا يتعلق الأمر بمشاحنات موسمية أو احتكاكات فردية، بل بسياسة أمر واقع تتدرج من إضعاف الزراعة إلى تغيير الخريطة الديموغرافية. كل اعتداءٍ غير معاقَب يضيف طبقةً جديدة إلى هذه السياسة، وكل شجرةٍ تُقطع تفتح الطريق أمام بؤرةٍ أخرى. وبينما تتوالى أرقام الانتهاكات في تقارير المنظمات الإنسانية، يعيش الفلسطينيون موسمهم تحت سؤالٍ صعب: كيف يحافظون على استمرارية حياةٍ يومية صارت محاطةً بالمخاطر، فيما الخصم يحوّل الحقل إلى خط تماس، ويجعل من الزيتون—رمز الأرض—هدفًا ثابتًا لاقتلاع الجذور قبل الثمار؟


