من متحف جامعة الروح القدس إلى مفترقات اللون.. معرض يعيد ترتيب سيرة الحداثة اللبنانية بعينٍ معاصرة. المكان: الكسليك، حيث لا يكتفي المتحف الجامعي بفتح أبوابه، بل إنه يفتح مسوّدةً لزمنٍ تشكّل فيه التجريد لغة للفن لا موضوعًا له. 

“حركات التجريد” ليس عنوانًا توثيقيًا بقدر ما هو اقتراح قراءة: كيف انتقلت اللوحة اللبنانية من سرد الحكاية إلى جعل اللون نفسه الحكاية، ومن انضباط الأكاديمية إلى حرية التجربة؟


في قاعة «حركات التجريد» يمشي الزائر داخل أرشيفٍ بصريّ حيّ يعيد تركيب اللحظة التي انعطف فيها الفن اللبناني، منتصف القرن الماضي، من الواقعية الأكاديمية وموضوعاتها الاستشراقية إلى مختبرٍ مفتوح للشكل واللون والفكرة. لا يُقدَّم التجريد هنا كمدرسة مغلقة، بل كطاقة تغيير نسجت ملامح الحداثة المحلية: أعمالٌ رائدة لفنانين لبنانيين بارزين أسهموا في رسم هوية فنّية جديدة، نقلت اللوحة من حكايةٍ تُروى إلى لغةٍ تفكّر بذاتها، وفتحت سؤالًا عن كيفية صوغ خصوصية بصريّة لا تنعزل عن العالم ولا تذوب فيه.


تنتظم الأعمال بين قطبين واضحين يتجاوران ويتحاوران: تركيبات هندسية مشدودة إلى الإيقاع البنائي تستلهم صرامتها من التكعيبية، وتجريدٌ غنائيّ مُعبِّر يراهن على أثر اللمسة وذبذبة اللون وحرارة المادّة. بين الانضباط والإطلاق، تُبنى اللوحة هنا كمعادلةٍ دقيقة بقدر ما تُترك كمساحة إحساس، فينشأ حوار خصب يجمع الحداثة العالمية بالجذور الثقافية اللبنانية، ويحوّل كل قطعة إلى وثيقة انتماء وانفتاح معًا.


يضمّ المعرض تشكيلة واسعة من أبرز اللوحات المقتناة من مجموعة متحف جامعة الروح القدس، لكن إعادة ترتيبها تمنحها قراءة جديدة: ليست عينات محفوظة، بل أصوات متعدّدة تتجاوب وتستكمل بعضها. هكذا تتبدّى «الهوية التجريدية اللبنانية» لا كختمٍ جاهز بل كمسارٍ تراكميّ شارك في بلورته فنانون متباينو المقاربات؛ بعضهم شدّ الصورة إلى هندسةٍ مختزلة العناصر، وبعضهم أطلق اللون ليتحمّل العبء التعبيري كلّه. النتيجة منصّة تفاعلية تُشرك الزائر في قراءة تطوّر هذه اللغة، وتبيّن كيف شاركت في الحداثة الدولية وهي متجذّرة بوضوح في المكان وطبقته الوجدانية.


ويتّسع المشهد لطبقة تربوية توضَع في صميم التجربة: أسهم طلاب الجامعة في إعداد المعرض وتنظيمه، من كتابة بطاقات تفسيرية دقيقة إلى اقتراح مسارات للزيارة تهيّئ العين للانتقال بين الأعمال وتُظهر الروابط الخفية بينها. بهذا يصبح «حركات التجريد» مختبرًا للتعلّم بين الأجيال، تتجاور فيه خبرة الرعيل المؤسِّس مع حساسية القارئ الشاب، ويترسّخ التزام الجامعة بدعم الإبداع الناشئ وتعزيز التواصل الحيّ داخل الذاكرة التشكيلية اللبنانية.


أجمل ما يقترحه “حركات التجريد” أنّه يحرّر الزائر من اليقين السريع. التجريد ليس هروبًا من الواقع بل التقاطٌ لنبضه الخفي. وما يبدو غيابًا للشكل هو في الحقيقة حضورٌ مكثّف للشعور؛ مسافةٌ تتيح للرؤية أن تصغي، وللذائقة أن تُجرّب.

يخرج الزائر بانطباعٍ أن “الحداثة اللبنانية” ليست فصلًا منتهيًا، بل نصٌّ مفتوح يواصل الجيل الجديد كتابته،  بأدواتٍ رقمية حينًا، وبوفاءٍ للمادة والكانفاس حينًا آخر. المعرض ليس تذكارًا من زمنٍ جميل، بل ورشة قراءةٍ معاصرة لأسئلة قديمة تتجدّد كلّما وُضعت اللوحة في مواجهة عينٍ يقظة.


في المشهد العام للجامعة، لا يبدو المتحف جناحًا ملحقًا بالصرح الأكاديمي، بل قلبًا نابضًا في رؤيته الثقافية. فالرئيس الأب البروفسور جوزف مكرزل يرى في متحف جامعة الروح القدس امتدادًا لرسالتها التربوية، إذ لا تُقاس المعرفة عنده بعدد القاعات الدراسية فقط، بل بقدرتها على احتضان الجمال وإحياء الذاكرة الإبداعية للأمم. بالنسبة إليه، يشكّل المتحف مساحةً يتكامل فيها البحث الأكاديمي مع الحسّ الفني، حيث يلتقي طلاب العلوم الإنسانية والفنون والعمارة في مختبرٍ حيّ يربط الفكر بالمادة، والهوية بالتجربة الجمالية.

أما مديرة المتحف، الدكتورة ألسي الديك، فتتعامل مع المؤسسة كبيتٍ للذاكرة لا كمخزنٍ للأعمال، وتضع في صميم مشروعها فكرة “المتحف التربوي” الذي يُشرك الأجيال الجديدة في اكتشاف تاريخها الفني وإعادة قراءته. هي تنظر إلى كل معرض بوصفه فعل تواصل بين الماضي والمستقبل، وتجربةً حسّية تشجّع على التفكير النقدي لا على التلقّي السلبي. ومن هنا يأتي تصميم المعارض في متحف الجامعة – ومنها «حركات التجريد» – كمحطات في رحلة بناء وعيٍ بصريٍّ متجدد، حيث تلتقي الأكاديمية بالخيال، والمعرفة بالدهشة.

بهذا التلاقي، يتحول متحف جامعة الروح القدس إلى مؤسسةٍ ثقافية حيّة، لا تحتفظ بالتراث فقط، بل تجعله يتحرّك ويتكلّم بلغة الحاضر.