لم تكن قصّة البقاع الشمالي يوماً مجرّد حكاية زراعةٍ ممنوعة أو مذكّرات توقيف متراكمة. هناك، في أقصى الأطراف، تلتقي هشاشة الجغرافيا مع هشاشة الدولة: حدود رخوة، مواسم زراعيّة خائبة، قرى بعيدة عن المركز، وحضور رسميّ متقطّع لا يلبّي الحدّ الأدنى من حاجات الناس. في هذا الفراغ تنشأ أنماط عيش بديلة، يختلط فيها “الاقتصاد الأسود” بالعلاقات العشائريّة، وتظهر شخصيّات تتقدّم تدريجياً لتملأ موقعاً كان يفترض أن يكون للدولة.


من هذا العالم خرجت شخصيّة مثل نوح زعيتر. لا يهمّ هنا تتبّع سيرته كما تُسرد في الإعلام، بقدر ما يهمّ فهم الدلالات التي حملها توقيفه. الرجل ليس حالة منفصلة عن محيطه، بل نموذج مكثّف عن آليّة اشتغال السلطة في الأطراف: حين تتراجع الدولة، يتقدّم “الزعيم المحلّي” بصفته ملاذاً ومظلّة، ثم يتحوّل مع الوقت إلى مركز قوّة مستقلّ، له اقتصاده وسلاحه وشبكاته وعلاقاته الخارجيّة.


من اقتصاد البقاء إلى بنية مافياويّة

الزراعة غير الشرعيّة في البقاع لم تبدأ كتجارة عالميّة، بل كوسيلة للبقاء. مع غياب بدائل حقيقيّة، تحوّلت الحشيشة إلى محصول أساسيّ لعائلات كاملة، ثم جاءت الحروب والتهريب وانهيار الليرة لتفتح الباب أمام تصنيع الحبوب المهلوسة وتهريبها عبر الحدود. عند هذه النقطة لم يعد الموضوع مجرّد “موسم حشيشة”، بل نشأت شبكات متكاملة: تمويل، مصانع، مخازن، خطوط نقل، حماية مسلّحة، ورؤوس كبيرة تدير اللعبة.

شخصيّة مثل نوح زعيتر، تمثّل قمّة هذا الهرم. في الخطاب الرسميّ، هو متورّط في ملفّات تتراوح بين زراعة وترويج، وتصنيع وتهريب، والارتباط بمعامل وممرّات تهريب إلى الخارج، وصولاً إلى تشكيل مجموعات مسلّحة واستخدام العنف في وجه الجيش والمدنيّين، مع أحكام غيابيّة تصل إلى المؤبّد والإعدام، وعقوبات دوليّة وضعته على لوائح أميركيّة وبريطانيّة. بالنسبة إلى كثيرين خارج البقاع، الصورة محسومة: رجل مافيا تقليديّ أعاد إنتاج نفسه بلغة محلّيّة ولهجة شعبيّة.

لكن داخل منطقته، الصورة أكثر تعقيداً. هناك من يعرفه كصاحب “جاه” يستقبل الناس في بيته، يموّل علاج مريض، يسدّد دين عائلة، يتدخّل لفضّ نزاع. في منطقة يشعر أهلها أنّ الدولة لا تراهم إلا حين ترسل دورية لقلع مزروعاتهم، يصبح وجود “كبير” يفتح أبوابه ويقدّم خدمات مباشرة جزءاً من شبكة الأمان البديلة. هذا لا يبرّئه من الملفات القضائيّة، لكنه يفسّر لماذا لا يراه الجميع بالطريقة نفسها.

من جهة أخرى، يقدّم نوح نفسه في إطلالاته الإعلاميّة بصورة مختلفة عن الملفّات الرسميّة: مزارع دخل عالم الحشيشة تحت ضغط الظروف، يعترف بتجارة النبتة، لكنه ينفي ما يتعلّق بالسلاح، بالميليشيات، وبالعمليّات العنيفة المنسوبة إليه. هذا التناقض بين الروايات الثلاث – رواية الدولة، ورواية جزء من أبناء المنطقة، وروايته هو – يشرح حالة الانقسام حول شخصه، ويجعل توقيفه أكثر من مجرّد خبر أمني.


لحظة التوقيف: استعراض قوّة أم بداية مسار؟

طريقة اعتقاله بحدّ ذاتها حملت رسائل: عمليّة لم يُمهَّد لها إعلاميّاً، نفّذتها استخبارات الجيش في بيئة يُفترض أنّها “حافظته” ويحفظها، من دون وساطات معلنة أو تسويات في الكواليس. فجأة، الاسم الذي اعتاد اللبنانيّون أن يسمعوه على الشاشات متحدّثاً بثقة، يظهر هذه المرّة موقوفاً.

هذه اللحظة قُرئت بعدّة طرق:

  • قراءة أولى ترى فيها دليلاً على أنّ المؤسّسات الأمنيّة قادرة، متى توافر القرار السياسيّ، على ملامسة “الخطوط الحمر” التي تعاملت معها لسنوات كأنّها خارج المتناول.
  • قراءة ثانية تربطها بالحاجة إلى تبريد التوتّر مع دول الخليج التي ضاقت ذرعاً بشحنات الكبتاغون والحشيشة المنطلقة من لبنان وسوريا، فصار من الضروريّ إظهار نموذج واضح عن “ضرب الرؤوس الكبيرة”.
  • قراءة ثالثة تتعامل مع الحدث بحذر، وتضعه ضمن سياق ضغط أوسع على منطقة وطائفة، لا سيّما أنّ كلّ ملفّ من هذا النوع يُستثمر سريعاً في السجالات السياسيّة الداخليّة.

ما يجمع هذه القراءات أنّها ترى في التوقيف ما يتجاوز شخصه. فالرجل تحوّل، خلال السنوات الماضية، إلى رمز لجزء من اقتصاد المخدّرات في لبنان، وإلى اسم حاضر في تقارير الأجهزة العربيّة والغربيّة. سقوطه يختبر صورتين في آن واحد: صورة الدولة التي قيل إنّها فقدت أنيابها، وصورة “الزعيم” الذي اعتقد كثيرون أنّه محصّن إلى ما لا نهاية.


البنية أعمق من الاسم

مع ذلك، أيّ مقاربة جديّة للملفّ لا يمكن أن تتوقّف عند حدود التوقيف. فالشبكات التي تعمل في زراعة الحشيشة وتصنيع الممنوعات وتهريبها لا تُبنى حول شخص واحد، بل حول منظومة مصالح تمتدّ من الحقول إلى المعابر، ومن المصارف إلى الزبائن في الخارج. يمكن استبدال اسم بآخر، لكنّ التربة التي أنبتت هذا النموذج ستعيد إنتاج شبيهٍ له ما لم تُمسّ.

السؤال الحقيقيّ هنا لا يتعلّق بمصير نوح وحده، بل بما ستفعله الدولة بعده. هل ستتعامل مع البقاع الشمالي بوصفه ملفّ أمن فقط، أم أنّها ستقرّ أخيراً بأنّ ما يجري هناك هو نتيجة مباشرة لسياسات التهميش والغياب المزمن؟ هل ستكتفي بتوقيف “واجهة” بارزة، أم أنّها ستفتح نقاشاً جديّاً حول تشريع منظّم لبعض الزراعات، وتقديم بدائل فعليّة للمزارعين، وإعادة بناء ثقة مفقودة بين الأهالي ومؤسّساتهم؟

الأكيد أنّ اعتقال شخص واحد، مهما كان حجمه، لن يغيّر واقعاً ترسّخ على مدى عقود. لكنّه يكشف لحظة نادرة رفعت فيها الدولة يدها إلى مستوى رأس بات يُنظر إليه كرمز لتمرّد الأطراف. إمّا أن تُستثمر هذه اللحظة في مسار طويل يعيد وصل المركز بالأطراف، أو تتحوّل إلى فصل عابر في رواية بلد اعتاد أن يصنع من رجال مثله أساطير، ثم يكتشف أنّ المشكلة لم تكن في الأبطال ولا في الأشرار، بل في المشهد الذي سمح لهم بالتمدّد أصلاً.