بعد اغتيال هيثم طبطبائي، الذي تقدّمه تل أبيب بصفته «رئيس أركان حزب الله»، ارتفع منسوب الخطاب الإسرائيلي إلى مستوى جديد من التصعيد، ليس فقط في اتجاه لبنان، بل في اتجاه إيران أيضًا. العملية لم تُقدَّم كضربة موضعية في الضاحية الجنوبية، بل كرسالة عسكرية وسياسية مركّبة، أرادت إسرائيل من خلالها رسم ملامح المرحلة المقبلة على أكثر من جبهة.


في الساعات التي تلت الإعلان عن الاغتيال، شدّد المسؤولون الإسرائيليون لهجتهم تجاه حزب الله والدولة اللبنانية معًا. رئيس الأركان إيال زمير ذهب حدّ التلويح بإمكان الانخراط في جولة قتال جديدة، لا تقتصر على الحدود الشمالية، بل يمكن أن تمتد – بحسب تعبيره – إلى ساحات سبق لإسرائيل أن خاضت المعارك فيها، في إشارة صريحة إلى احتمال المواجهة مع إيران إلى جانب لبنان.


زمير أوضح أن الجيش الإسرائيلي يواصل تنفيذ هجمات بشكل يومي «في كل الساحات»، وأن وحداته مستعدة لأن يُطلب منها القتال مجددًا حيثما دعت الحاجة. ووضع استهداف طبطبائي في هذا الإطار، معتبرًا أن الرجل كان يعمل باستمرار على التحضير للجولة المقبلة من المواجهة، وأن اغتياله يأتي ضمن نهج يقوم على ضرب مصادر التهديد قبل أن تستكمل قدراتها وتتراكم.


في موازاة هذا الخطاب، قدّم أحد المسؤولين الأمنيين في إسرائيل قراءة مزدوجة لدلالات العملية. الرسالة الأولى موجّهة، كما قال، إلى الحكومة والجيش اللبنانيين وإلى حزب الله في آن واحد: لا قبول بأي مسار يعيد بناء ترسانة الحزب العسكرية أو يسمح له بإعادة تأهيل قدراته بعد سنوات من الاستنزاف. الرسالة الثانية تتمثّل في التأكيد على أن تل أبيب مستمرة في استراتيجيتها الرامية إلى تقليص قوة الحزب العسكرية، بما في ذلك المساس بقياداته والعمل على زعزعة بنيته التنظيمية من الأعلى إلى الأسفل.


هذا المناخ دفع المنظومة الأمنية والعسكرية في إسرائيل إلى عقد سلسلة اجتماعات تقييم للوضع، شارك فيها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الأمن إسرائيل كاتس. خلال هذه الاجتماعات، جرت مراجعة السيناريوهات المحتملة لرد حزب الله، سواء عبر عملية محدودة أو عبر تصعيد أوسع، وبحثت المؤسسة العسكرية كيفية الاستعداد لكل احتمال. في الوقت نفسه، رُفعت حالة التأهب على مستوى الجبهة الشمالية، كما جرى تنفيذ تدريبات ميدانية تحاكي هجومًا مباغتًا يمكن أن يشنّه الحزب في أي لحظة.


في التحليلات المتداولة داخل إسرائيل، يُصوَّر حزب الله على أنه يمرّ بـ«مأزق معقد». فالحزب، وفق هذه القراءة، يتعرض لضربات قاسية جعلته أضعف مما كان عليه في مراحل سابقة، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع تجاهل عملية من هذا النوع من دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا ومعنويًا داخل بيئته وخارجها. لذلك، تتوقع بعض الأوساط الأمنية أن يلجأ الحزب إلى رد «غير اعتيادي»، يهدف إلى التأكيد أنه ما زال يمتلك القدرة على المبادرة، حتى لو كانت كلفتها محسوبة.


في المقابل، لا تستبعد هذه الأوساط سيناريو معاكس، يقوم على امتناع الحزب عن الرد العسكري المباشر، والاكتفاء بتعزيز الرهان على الحكومة اللبنانية كقناة ضغط سياسية وأخيرة على إسرائيل والولايات المتحدة، في محاولة لتعديل مسار التطورات بواسطة الاتصالات والوساطات، وليس عبر فتح جبهة واسعة جديدة في الجنوب.


ميدانيًا، خصّص رئيس الأركان الإسرائيلي يوماً كاملاً لمتابعة التطورات في الشمال. قام بجولة على الخط الحدودي مع لبنان، والتقى قادة المنطقة الشمالية، في خطوة أراد من خلالها توجيه رسالة داخلية وخارجية بأن الجيش في حالة استنفار واستعداد. ولم يقتصر التشديد الأمني على الحدود، إذ فُرضت حالة تأهب أيضًا على مستوى السفارات والممثليات الإسرائيلية في الخارج، تحسبًا لأي رد محتمل قد يأتي من خارج المسرح اللبناني المباشر.


بهذه العناصر مجتمعة، تبدو تل أبيب حريصة على استثمار اغتيال طبطبائي لإعادة رسم قواعد الاشتباك، والقول إن مسار استهداف حزب الله لن يتوقف عند حدود ضاحية أو قيادي واحد، وإن باب التصعيد على الجبهتين اللبنانية والإيرانية سيظل مفتوحًا، ما لم تُكرَّس وقائع جديدة تمكّن إسرائيل من فرض تصورها الخاص لـ«الأمن» في المنطقة.