مع تصاعد التعقيدات الإقليمية، يتراجع الحديث عن أي تسويات سياسية لمصلحة خطابٍ إسرائيلي أكثر تشدداً. في هذا السياق، حسم وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس الموقف حيال المسار السوري، معلناً أن فرص السلام مع دمشق – سواء عبر اتفاق أمني أو تسوية لترسيم الحدود – باتت بعيدة جداً في المرحلة الراهنة.


كاتس، وفي جلسة مغلقة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، عرض مقاربة متشائمة حيال البيئة الإقليمية المحيطة بإسرائيل، متحدثاً عن خطر متزايد لا يقتصر على سوريا ولبنان، بل يمتد أيضاً إلى الحوثيين في اليمن، بوصفهم جزءاً من طوق تهديد متعدد الجبهات. وفي محاولة لبعث رسائل تطمين داخلية وخارجية في آن، أكد أن الجيش الإسرائيلي سيتدخل لحماية الدروز في سوريا إذا تعرضوا لأي اعتداء، في إشارة إلى استمرار ارتباط تل أبيب بالملف الدرزي على جانبي الحدود.


لبنان بقي، ككل مرة، في قلب النقاش الأمني الإسرائيلي. إذ تُجمع التقييمات في تل أبيب على أن الجبهة اللبنانية قابلة للاشتعال في أي لحظة، ما دفع الجيش إلى تعزيز قدراته واستعداداته، خصوصاً مع حلول الذكرى الأولى لإعلان وقف إطلاق النار. ورغم ذلك، يرى بعض المقرّبين من دوائر التقدير الاستراتيجي في إسرائيل أن حزب الله لا يبدو معنيّاً في هذه المرحلة بـ«تحرير القيود» المفروضة على اتفاق وقف النار، أي كسر التهدئة القائمة بشكل كامل، فيما تُوصَف التهديدات التي يطلقها كاتس بتفكيك سلاح الحزب إذا لم تقم الدولة اللبنانية بذلك بأنها شعارات غير قابلة للتطبيق عملياً.


وفق هذا المنطق، تستطيع إسرائيل أن توجّه الضربات وتنفّذ هجمات محددة، لكنها عاجزة عن فرض نزع شامل لسلاح حزب الله بالقوة العسكرية المباشرة. لذلك، يروَّج داخل المنظومة الإسرائيلية لنهج يقوم على سياسة "صفر تسامح" مع الحزب، بالتوازي مع الضغط على المنظومة الدولية لدفعها إلى ممارسة مزيد من الضغوط على الدولة اللبنانية من أجل تنفيذ ما تعتبره تل أبيب استحقاقات الاتفاقات القائمة.


في موازاة ذلك، جاءت التهديدات الإسرائيلية في وقت كشف فيه تقرير إسرائيلي أن الولايات المتحدة قدّمت دعماً كاملاً لعملية اغتيال القيادي في حزب الله حسام طبطبائي، وأن التنسيق بين واشنطن وتل أبيب في ما يخص ملف الحزب ولبنان وثيق ومستمر، رغم نفي الإدارة الأميركية الرسمي المشاركة في هذه العملية.


رئيس برنامج الشرق الأوسط في أحد مراكز الأبحاث الإسرائيلية، يشاي، اعتبر من جهته أن إسرائيل والولايات المتحدة تراهنان على إضعاف حزب الله تدريجياً، وأنهما وضعتا الرئيس اللبناني أمام معادلة واضحة: اسحبوا سلاح حزب الله… ننسحب من لبنان. غير أن التقديرات الإسرائيلية نفسها تستبعد أن يقبل الرئيس عون بهذه المعادلة، أو أن يتمكن من فرضها داخلياً، ما يدفع تل أبيب إلى الاستعداد لسيناريو أكثر تشاؤماً.


على هذا الأساس، تستمر إسرائيل في التحضير لجولة قتالية جديدة، لا يُستبعد – وفق بعض القراءات – أن تمتد من الجبهة اللبنانية إلى الساحة السورية، في ظل تلاشي آفاق التسوية مع دمشق وتصلّب الموقف الإسرائيلي من دور حزب الله في الإقليم.


هكذا يتشكّل المشهد: سلام مؤجّل مع سوريا، تهديدات متصاعدة تجاه لبنان، تنسيق عميق مع واشنطن حول استهداف حزب الله، واستعدادات مفتوحة لجولة جديدة من المواجهة، في إقليم يتّسع فيه نطاق النار من حدود الجولان إلى مياه البحر الأحمر.